كنت واقف قدام باب الجامعة الأمريكية و بحاول احدد هي مين فيهم. رميت سيجارتي و انا بدقق في الوشوش الكتيرة الجميلة و المبتسمة اللي بتطلع شمال و يمين.. اخيراً فضي الجمع، و شفت بنت شقرا بعينين زرقا، واقفة بتبص علي جرايد الحيطة المتعلقة ورا بوابة الدخول.. واحدة واخدة الموضوع حجة علشان تقدر تستني الولد الأهبل اللي هيا مدياه معاد و ماتعرفش شكله، و لا هو يعرف شكلها
بان عليها التردد و هي بتبصلي، و انا ببصلها و احاول ابعد عيني بهدوء.. ممكن ما تطلعش هي و اطلع أنا الوقح المدلس.. خرجت من باب الجامعة ببطء.. بصتلي بصة طويلة ف لحظة و كنت انا مستني بادرة ما. لاقيت نفسي بسأل
"ليلي؟"
هزت راسها و هي بتبتسم
"اشوفك الساعة خمسة و نص، بعد كورس العربي بتاعي"
قالتلي كده في التليفون قبل اللحظة دي بحوالي 5 ساعات
و لاقينا نفسنا قاعدين في سيلانترو بتاع الجامعة الأمريكية. اسمها ليلي. من أب مصري و أم انجليزية، بس قضت طفولتها ف إيرلندا. زوج والدتها --نيك-- حد بيشتغل في الفرع الرئيسي لـ"آي إل أو" في جينيف، اتعرفنا علي بعض لما كنت بدي محاضرة في اطار تدريب ناس من المنظمة علي الكتابة الأبداعية، علشان ينفذوا بيها برنامج بيعملوه. بعد فترة كنت بقرا الميل بتاعه اللي طلب فيه مني أني اشوف ليلي، و اساعدها في أنها تاخد وظيفة متدربة هنا في المقر المصري بتاع المنظمة. بعده كان ميل خولة اللي حددلي خطة العمل
حد متحمس جداً، و مثالي جداً، و نسوي جداً
ده كان انطباعي الأول عن ليلي، و احنا بنشرب النسكافية في سيلانترو اللي قدام الجامعة. سألتها سؤال محدد
"ليلي.. عايزة تعرفي مصر كمصرية و لا كسايحة ح ترجع بعد كام شهر بلد ميلادها و خلاص؟"
ردها عكس تحمسها
"طبعا"
كانت غلطتها
سبتني من كل المناخ الأعلامي المضروب اللي اعلامنا بيحيط بيه مصر.. قلتلها الحقيقة، و بشكل فيه قسوة زيادة كمان. كنت حاطط ف دماغي اني غالباً مش ح اشوفها تاني، كنت عايز اقول كل اللي انا كنت ممكن اقوله براحة في قعدة واحدة
البنت احبطت.. و مش بلومها
ليلي جاية من بلد حل مشكلة ميه الشرب فيه من عشرات السنين.. ماينفعش تفهم إن الحياة في مصر متقدمة بالنسبة لأيرلندا، أو سويسرا--مكان معيشة عيلتها دلوقت. و انا ماشي كنت مشفق عليها بشكل من الأشكال، مش ح اقول لأ
بس حصل أن اللقاء جاب لقاءات، و إن تأخير تعيينها خليها علي اتصال بيا اكتر. و ما بين التحرير و الزمالك--مكان بيت عمها-- كانت الشوارع بتشوف العيل المصري الكئيب، العدمي و البنت الإنجليزية--بحكم الأم و الملامح-- المتفائلة، المرحة
ليلي كانت دليل حقيقي علي عجزي، علي شيخوختي المبكرة. اتصدمت بالثقافة المغايرة في عيش الحياة. الأوروبي بيمتص الحياة بشكل حقيقي، مش هزار يعني.. بصوا معايا: دروس تانجو، دروس تنس، دروس عربي، عمل تطوعي في الآي إل أو، سهرات بليل.. كل ده في نفس الوقت
في مرة، كنا بنتغدا في بيتزا هت بتاع التحرير، كنا طبعا شوشو و نونو.. مهريين ضحك و هزار و الحياة دوشة علي الأخر. فجأة لاقيتها بتبتسم ابتسامة "تشيزي" لحد ما في ضهري.. مفهمتش.. بصيت ورايا، لاقيت ست كهلة، لابسة اسود ف اسود، حتي توكة شعرها سودا، و وشها شاحب كده، و شكلها مستاء من "الجيل الجديد".. رجعت لـ"ليلي" بعيني.. راحت قايلالي--طبعا انا بترجم من السلانج الانجليزي
"هي مالها الولية القرشانة دي؟ احنا نضحك زي ما احنا عايزين و نهزر زي ما احنا عايزين.. هي عايزة ايه مننا يعني"
انا لو حد بصلي البصة بتاعة الست الكهلة دي--انا متخيلها كويس--كنت دفنت وشي في الطبق اللي انا باكله
"أنا النهاردة رحت مدرسة (..) و كلمت الأولاد عن مخاطر عمل الطفل"
"مدرسة (..)؟"
"ايوة"
"دي مدرسة اغنيا يا ماما.. كل واحد فيهم ح يسمعك شوية و يمصمص شفايفه و بعدين يرجع يأمر و ينهي في الشغالة و مش بعيد يضربها"
مسكت ايدي، و بصت في عيني و هي بترد بعصبية
"انت ليه عدمي كده؟ انت تعرف أنا جيت هنا علشان اتطوع ليه؟ علشان فيه حد دخل فصلي و انا صغيرة و قال الكلام ده"
فضلت ساكت و هي بتكمل
"لو واحد بس اقتنع باللي انا بقوله يبقي انا نجحت"
طلبت كابوتشينو و انا بحول عيني بعيد.. هي عندها حق
فاكرها و هي لابسة سواريه بسيط.. بتعدل الايشارب المرمي علي كتافها، و لامة شعرها الأشفر ورا ضهرها.. كانت ماشية جنبي و احنا رايحين بينوس الزمالك، اللي مش بعيد عن بيت عمها
ضحكت و انا بقول
"ليلي! انتي بتتكلمي عن الرجالة الإيرلندين كأنهم زبالة"
ميلت راسها لتحت، و هي بتبصلي بعينيها الزرقا، و بتمط شفيفها الرفيعة و بتقول في حسم
"علاء! الرجالة زبالة!"
كنا قاعدين في بينوس، لفت نظري حاجة انثوية متميزة الحقيقة.. غلطت و نطقت حاجة كأن اللي قاعد معايا دكر
طبعا لاقيت أسد متحول قاعد قدامي، متحفز و هو بيقول بهدوء منذر
"انت قلت ايه؟"
"آآآ..آآآم.. نايس بالونز؟"
و في اللحظة التانية كانت المينيو مرقوعة فوق دماغي.. حافظت علي هدوئي.. لا بصيت لا يمين و لا شمال، و أنا بسأل في هدوء لورد انجليزي
"فيه حد شافك و أنتي بتعملي كده؟"
"يارب يكونوا كلهم شافوني"
و خد عندك من مواويل امتهان المرأة عن طريق حصرها في "منظور" واحد ف الحياة.. ......بديع
ماكلمتهاش لفترة.. كنت مؤمن أن دوري انتهي بعد ما اتعينت.. كلمتها بعد يوم من وفاة جدتي و سألتها إن كانت محتاجة حاجة. قفلت بسرعة
و لما كلمتها تاني بعد فترة، قبل معاد رجوعها لسويسرا بكام يوم، و سألتها
"انتي بجد كنتي ماشية من غير ما تقولي باي؟"
"فوت عليا ف البيت"
فوت عليها فعلا، و كانت تاني زيارة لبيت عمها. مرات عمها حد لطيف جداً و كنت مستمتع بالمناقشة معاها. جت ليلي بعد شوية
"ماكنتش متأكدة إن كنت عايز تشوفني و لا لأ"
"اشمعني يعني؟"
"علشان كان صوتك غريب آخر مرة.. خفت اني اكون تقيلة عليك"
قلتلها علي موضوع جدتي، و بعد شوية، كانت مرات عمها لطيفة كعادتها لما جت تواسيني. قلتلها إن جدتي كانت غالية عليا فعلاً. هي اللي مربياني
اديت ليلي هدية صغيرة قبل ما امشي.. سلسلة فيها خرطوشة فرعوني و عليها كتابة، مرات عمها سألت سؤال منطقي
"و دي مكتوب عليها ايه؟"
فعلا مكنتش عارف، كنت مشتريها جاهزة و أنا جاي جري. كانت جايبلي هدية من نيك بذوقه المعتاد.. مكنش ممكن تمشي من غير هدية. و لغاية دلوقت، أنا بدعي ربنا أن مايكونش مكتوب علي الخرطوشة حاجة زي "ملعون ابوكوا!"..سلمت عليها و انا ماشي. ابتسمت و قلتلها تستمتع بحياتها، و تحاول تنفذ امانيها كلها ف الحياة. كنت عارف انها عايزة تدرس علم الحيوان، زي جدها لأمها
و ف ميل جاني من نيك، قالي فعلا انها دلوقت بتدرس علم الحيوان، في جامعة برمنجهام
ابتسمت و انا بقرا الميل.. البنت دي فعلا عارفة اللي هي عايزاه