designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Saturday, May 28, 2016

A Picture.





you can see an article about such encounter here.

Tuesday, May 10, 2016

القلم والصولجان: في الحديث والصمت (مقال قديم)


"أنت على حق.. نحن هكذا فعلًا". قالها عمر توريخوس، ديكتاتور باناما، لجابرييل جارسيا ماركيز وهو يحادثه عن خريف البطريرك. لم يخجل توريخوس من الاعتراف بأنه ديكتاتور، بل وأبعد من ذلك، لم يخجل أن يعترف بأن جنرال ماركيز يشبهه. ربما لم يقصد ماركيز توريخوس، صديقه العزيز، في كتابة سيرة جنرال منطقة الدومينكان التي لم يحددها، ربما كان إلهامه الأكبر شخصيات مثل فرانشيسكو فرانكو إسبانيا، وخوان فيسنت جوميز فنزويلا، وجنرال دولته بينيا. ولكن توريخوس، الوسيم ذو السيجار، لوّح له باستهانة معترفًا أنهم هكذا. 
لكن مربط الفرس هنا، هو ما وصف به ماركيز روايته: "قصيدة عن عزلة السلطة"، ربما هذا أيضًا، العقلية التي وراء الكلمة، هو سبب صداقة ماركيز وتوريخوس الحميمة؛ لقد استطاع الروائي الأشهر أن ينفذ إلى عمق أزمة الديكتاتور الوجودية، كما يراها أو كما يجمل عداوته لها، فكلما تعاظمت السلطة واتجهت للإطلاق، كلما عظمت الوحدة أيضًا. 
قضى ماركيز حياته في باريس معدمًا، في رحلة كرّرها إرنست همنغواي وخوليو كورتاثار، (والأخير وقف ماركيز الجائع المفلس ليراه عبر زجاج بار باريسي، فقط ليراه يكتب)، بسبب الديكتاتورية في بلاده التي حرمته أجر كتابته الصحافية، ومع ذلك احتفظ بصداقة متينة مع توريخوس، وصداقة أقوى مع فيدل كاسترو. ربما تبدو صداقته بكاسترو مبررة بشكل أو بآخر، ولكن الرجل حمل أرقام هواتف تسعة رؤساء آخرين، بينهم كلينتون. تعرّض ماركيز لانتقادات عنيفة بسبب علاقات مماثلة. لكن الروائي العظيم كان يملك رؤية تقول بوجود تشابه ما بين عزلة الديكتاتور وعزلة الكاتب الشهير. 
ربما كان كرسي توريخوس الذي جلس عليه باعتباره "الزعيم الأعلى للثورة البانامية"، هو الكرسي ذاته الذي جلس عليه ماركيز باعتباره كاتب "مئة عام من العزلة"، حيث يحيط بالاثنين الأصدقاء المتوددون دومًا، والحريصون على إخفاء أي حقيقة قد تبدو مزعجة، أو غير متّسقة مع ما يريد صاحب النفوذ، السياسي أو الأدبي. 
إذن تبدو المسألة وكأن علاقة ماركيز لم تكن، كما يفكر فيها على الأقل، علاقة تبعية، بل هي علاقة الندّ، علاقة المُعادل في القوّة وإن اختلفت الاتجاهات، هكذا يمكنه رؤية الأزمة في وهج القوّة، وهكذا أمكنه فهم المسألة بشكل إنساني، بعيدًا عن سخونة الإيديولوجيا. 
ولكن، هل كل علاقات الكتّاب بالديكتاتوريين هكذا؟ لا نعرف تحديدًا، ولكن الخوف منهم، ومن فتكهم وتشويههم للسمعة بالحقّ أو الباطل، أو خوف آخر معتبر من "الذوبان في السياسة" يمنع كتّاباً كثيرين من مهاجمة الديكتاتور، أو على الأقل السكوت عنه. يقال إن تأييد الحكّام العسكريين هو سبب أساس في عدم حصول خورخيه بورخيس على جائزة نوبل. 
على الجانب الآخر، يمكن تذكّر أرنستو ساباتو، الذي ترأس لجنة بحث مصير المفقودين والمعتقلين في تشيلي بعد انقشاع كابوس حكم أوغستو بينوشيه، وكذلك مقتل لوركا، أو مواقف خوسيه ساراماجو السياسية القاطعة ضدّ إسرائيل. 
في العالم العربي، حيث يستأثر الديكتاتور بكل شيء، وحيث السلطة هي المعزّ المذّل، بلا حتى أي تجارب ديمقراطية طويلة عرفتها شيلي وكولومبيا لأكثر من 100 عام، ربما دفع روائي عظيم مثل عبد الرحمن منيف ثمن قناعاته السياسية، فلم يلمع لمعانًا يتناسب مع موهبة أبدعت خماسية مدن الملح، أو محمد البساطي الذي لم يحصل أبدًا على اللمعان الذي يستحق، يمكننا أن نذكر من باب الموضوعية أنه ربما كانت شخصية الكاتب العازفة عن الأضواء، البعيدة عن التكالب، هي سبب أيضًا في حالة مثل هذه. 
يبدو أحيانًا غريبًا أن نجد العديد من الكتّاب الذين بنوا شهرتهم على المعارضة السياسية، سواء إبداعيًا أو صحافيًا، ينحازون للديكتاتوريين في عالمنا العربي. بعص المبدعين، كحالة الراحل الكبير أحمد فؤاد نجم، الذي جادل دومًا بأن الحقيقة في إبداعه، وليست في تصرفات عابرة، أو تصريحات صحافية ربما ينساها الناس، أم هل هي رؤية إنسانية لها عمقها، حتى وإن اختلفت معها، مثل ماركيز؟ أم هو خوف أو رعب من بطش سلطة تملك كل شيء؟ أم هو ذكاء في التعامل مع السلطة، وجذب لبعض من لمعانها إلى لمعانه، وثقة بأن الموهبة تغفر كلّ شي؟! 
مثلا لا يتذكر أحد الآن انحياز يوسف إدريس لجانب أنور السادات في تظاهرات العام 1977، ولكن، من يتذكر يوسف إدريس الآن؟! 
وهناك مثال لنجيب محفوظ، الأعظم حاليًا بحكم تكريس النوبل، الذي احتفظ دومًا بمسافة آمنة، وصاغ دومًا آراءه السياسية بنبرة ساخرة مازحة، ادعى أحيانًا يسارية، لكن كلّ الناس علمت أنه وفدي ليبرالي. ترأس الرقابة وكتب "ثرثرة فوق النيل"، وعندما سئل من قيادة سياسية قال بضحكة عالية "ده كلام حشاشين". عندما مات جمال عبد ناصر قال في قهوة ريس الشهيرة "وكأنه حمل وقد انزاح من فوق دماغي"، ولكنه لم يكتب ذلك في مقال، طبعًا. 
لسنا مجبرين على أن نكون ماركيز أو بورخيس أو محفوظ، لكل خياراته. وبالطبع لسنا عبيدًا لتاريخنا الشخصي، بعض من 
الحصافة قد تنقذنا من عبث تناقض، أحيانًا.
................................................................
نشر في ملحق الثقافة بجريدة العربي الجديد في العام ٢٠١٥
يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا

Saturday, April 30, 2016

سيجارة في وجه دبابة


جلس معي، وطفق يحكي:
كان داخلا لمتجر ما، ومعه سيجارته المشعلة. واجهه رجل ملتح ذو ابتسامة عريضة، وقال له:
- من فضلك اطفئ السجارة يا أخي 
نظر الشاب حوله ثم قال:
- ولكنني لا أرى يافطة "ممنوع التدخين"
أجابه الشيخ بذات الابتسامة:
- لقد طلبت هذا من الزبائن حولك واستجابوا
نظر الشاب حوله، بالفعل لم يجد أحدًا يدخن السجائر. لم يجعله هذا يتراجع، سأل:
- ومن حضرتك؟
- أنا أخوك في الله
- أقصد هل حضرتك صاحب المتجر؟
- لا.. أنا في الحقيقة أدعو لما فيه خيز السبيل
وبالطبع ناله من تقريع الشاب ما ناله، والذي أكمل تدخين سيجارته بهدوء، وبعد دقائق قليلة، كان من أجبروا على إطفاء سجائرهم يدخنون مرة أخرى.
كان هذا الشاب هو أحمد ناجي، الروائي الذي حُكم بسنتين سجنًا، من أجل كتابة رواية، رواية مارس فيها ما مارسه في حكاية المتجر؛ تمرده. صحيح الأدب لا يهتم بالتمرد كمنزلة أولى،  ولكنه يهتم أكثر بالخيال، وهكذا مزج أحمد تمرده بخياله، في سبيكة تخللتها الموهبة.
ولكننا هنا أيضا نتكلم عن الواقع: ليست هذه حكاية في مناقب التدخين، ولا هي حكاية لجذبك إليه، بل حكاية عن سلوك فردي، حكاية خلاص فردي، كانت أملنا جميعًا حين نزلنا في ذلك اليوم البعيد القريب، مطالبين بأن نكون أحرارا، أن نكون سادة أنفسنا، ألا نخاف من بطش سلطة، سواء سياسية أو دينية. صحيح أن في الأمر قدر من التبسيط لو اعتبرنا ما حدث رمزًآ وعلمًا بعدما ودعنا الرموز والأمثال، وصحيح أن الأمر سيكون سخيفًا لو تحدثنا بطريقة "لو فعل كل منا هذا لكان…". هي حكاية. وأجمل منها أنها حكاية حياة، حياة ممكنة، وقريبة.
رجع أحمد إلى ما ظنه محاكمة، فوجدها كمينًا. رجع بعدما كان في وسعه أن يبقى حيث كان، في إيطاليا، التي كان فيها لزيارة قصيرة، ولكنه فضل الرجوع. كان أحمد، كما عهدته دومًا شديد الاستهانة بحكايات البطولة، ومثلي كان ينفر من الصراخ ونفر العروق، ولكنني كنت أشك، أيضا، أن تحت مثل هذا المظهر المستهين بكل شيء، تحت قصدية التهكم والسخرية، كانت تكمن روح لها سنتمنتاليتها الخاصة، التي تعمقت كلما كانت نبرة التهكم أعلى. أحيانا أظن ذلك، لِمَ رجع؟ قد يقول هو إنه لم يتوقع مثل هذا الحكم، قد يقول إن من حوله لم يتوقعوا ذلك، وهذا طبعًا صحيح، لكن الحقيقة تبقى: لقد رجع. كانت السلطة تتعقبه، وكان يمكنه الغياب فتقع عليه أقصى العقوبة—وللسخرية فقد نالها حضوريا—فتكون مبررا له للبقاء في أوروبا. 
ولكنه رجع
تحدثني نفسي أحيانًا، بلوم، أنني وراء ذلك: كنت أتكلم معه في يوم، عبر الفيسبوك، فأخبرني بإشاعة أمنية مغرضة، لم تنتشر، عن لجوئي لأوروبا، إيطاليا تحديدًا. قلت له يا بني لقد رأيتني على القهوة منذ أسبوعين، وهل تصدق أنني أفعل مثل هذا؟ قال لي إنه كان يتمنى هروبي من أرض اللعنات هنا. وعندما سمعت عن خبر تعقبه قضائيًا على روياته، عبثت معه على صفحات الفيسبوك، متمنيًا له أطيب التمنيات في لجوئه السياسي المرتقب. دخل وعلق بعصبية لم أعهدها منه طوال سنوات معرفتنا الإحدى عشر تقريبا.
لقد تخيلت أن ناجي سيدخل ليهزل معي، لنسخر معا، ولكنني فوجئت بعصبيته. هنا فقط أدركت مدى الضغط الذي كان فيه.
هل كان مثل هذا الموقف سببا في رجوعه؟! لا أعلم، ولن أرجح كوني سببا، هذا أريح للضمير من ناحية، ومن ناحية أخرى، فأنا لست سبب كل شيء.
الحقيقة هي أنه رجع. كان لديه كل سبب لعدم العودة، ولن يلومه أحد، وسيكون متسقًا مع ذاته، ولكنه رجع.
سيخرج ناجي، سيخرج، أعلم. وأعلم أنه، غالبا، سيتحسس أي ربط ما بين كتابته وسلوكه ويناير، ولكنني سأدعه يقرأ هذا مرة أخرى؛ فسواء وافق أو لا، قصد ذلك أم جاء عفوا، فسلوك هذا الشاب في المتجر، لا يشبه من قريب أو من بعيد من يحتمون بدبابة في وجه الناس. لا يشبه من قريب أو من بعيد من يبحثون عن ولي أمر حريتهم، لا يشبه بأي حال من الأحوال هؤلاء "المتعقلون" الذين يدعوننا للهدوء لأنه لا بديل لنا. لا يشبه من بعيد هؤلاء الذين يؤثرون السلامة.
ستخرج يا ناجي، ستخرج، وحتى تخرج، أتوقع أن تمنح سجانيك أوقاتا تعيسة، كلما قدرت.
.....................................................
نشر هذا المقال في اذاعة هولندا الدولية- هنا صوتك في ٢٩ ابريل ٢٠١٦. للمقال الاصلي يرجي الضغط هنا

Friday, April 22, 2016

خالد على رئيسًا لمصر


ما فعله خالد علي في جمعة الأرض يجعلني أفكر: إذن يمكن لهذا السياسي الشاب أن يكون رئيس جمهورية يوما ما.
أراد السياسي حقن الدماء، وأرادت السلطة فض المظاهرة. التقت الإرادتين، وتناغمتا وأثمرتا عن موقف وسطي: فض التظاهرة ولكن بعدما أثبتت وجودها، اعتقال خمسة وعشرين شابًا ولكن لم يمت أحد. كان خالد يعبر أمامي مغادرا الجمع، متحملا شتائم من كل حدب وصوب، يلتفت لأحدهم ويقول بعصبية  "لا تزايد علي"!
نعم، غادر السياسي أرض المعركة بعدما حسب أرباحه، ولم يقعد البطل في وسط رفقائه الثوار. خالد ليس بطلًا، صحيح أن وجوده كان يحول بين الأمن والمتظاهرين، إصابة أو مقتل أو اعتقال خالد كانت ستصنع المانشيتات في مصر، وبالتالي في الخارج، وليس في مصلحة السلطة هذا وفرانسوا أولاند على الأبواب، ولكن ليس كل شيء بهذا الحسم، ماذا لو تكاثرت الجموع وقررت الاقتحام والمسير لميدان التحرير، ماذا لو قررت الاعتصام في بقعة حيوية ستضايق حتمًا مرور المدينة في أيام عمل جادة. كان من الممكن بالفعل أن يعتقل، أو يصاب، أو يموت خالد وبعض ممن معه، أو بعض كثير ممن معه.
كتب الصحافي المصري خالد البلشي أن سبب تحبيذهما خيار الرحيل، هو وخالد، أنه إن مات أحدهم، فسوف يجبن الناس عن النزول ثانية. حسنًا، بعض البراجماتيين قد يختلفون تمامًا مع هذه الرؤية، ولكن رايات الأخلاق سترفع: السياسيون الذين يتاجرون بدماء الشهداء، أو من ينتظرون دماء الشهداء. حسنًا، خالد سياسي هو الآخر، ولكنه سياسي حذق.
برز كمحام حقوقي، المدخل المعتاد لنجوم اليسار المصري، زاد من نشاطه بعد الثورة لحد ترشيح نفسه رئيسًا للجمهورية، وكان كاتب هذه السطور من منتخبيه المئة ألف. شارك في معارضة السلطة حتى انخرط في 30 يونيو، ولكنه سرعان ما استعاد راديكاليتيه في وجه الدولاتيين القدامى، وصارت سياسته، أو هي دبلوماسيته، التي اعتمدت على أمثلة خطابية، مثل الصياح بسقوط حكم العسكر في الأوبرا حينما كانوا يكرمون الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم. تضايق منه بعض أصدقائنا المشتركين، ثم نعتوه بما نعت هو بعض الناس في يوم جمعة الأرض: هذه مزايدة.
ولكن، من أكثر من المزايدين، الراديكاليين، من يستطيعون تسويق التنازلات الصعبة؟ أثبت الرجل، في هذه الجمعة، أنه رجل دولة يعتمد عليه، رجل منضبط، له تأثيره سواء في إذكاء المظاهرة أو في فضها. رجل انتهج الهدوء في مقابل الغضب، وانتقل بكل خفة ورشاقة من صياح ثوري إلى بيان إصلاحي. لم يخبط خالد رأسه في الحائط، أو هو لم يخاطر بفعلها. 
ووجدتني أفكر في أمثلة مثل ليخ فاونسا. لولا ديسيلفا. نعم. لم أكن متفاجئًا حين روج أحمد شفيق نفسه باعتباره لولا دي سيلفا: يبدو لي أحيانا وكأن الصراع ما بين أجنحة الدولة المصرية يمكن تلخيصه، بشكل أو بآخر، ما بين مؤيدي تجربة البرازيل، تلك الليبرالية المتوحشة التي قادها- أو موه عليه- اليساريون، وبين محبذي ليبرالية الصين ذات النهج الآسيوي، مثلما يصفونها في الغرب. 
دعني أقول لك إنني أظن، منذ كتبت هذه السطور إبان طلب السيسي تفويضه، أنني أراه كبينوشيه، بينوشيه سوف يفقد آخر مبررات وجوده مع تمرير قانون الخدمة المدنية، الذي سيفتح الطريق متسعًا للتخلص من خمسة ملايين مواطن مصري، ووراءهم 20 مليونًا آخرين تقريبا، ربما يبقى ليواجه التبعات الصعبة لهكذا قرار، أو لا، هي قدرته على المناورة وحيدًا هنا. وبالمضي قدمًا في هكذا تغير، فسوف تتوافر مصر كسله لعبيد الإمبراطورية الرومانية الجديدة، ربما تصبح الخمسون دولارًا مرتبًا يتقاتل الناس عليه، بعدما ماتت، ودفنت سنوات الميري.
 وعندما يهدأ كل شيء، ونعرف من الفائز بالكعكة، الجيش أو الكارتيلات الدولية، وبصرف النظر عن ناتج هذه المعركة، دعونا نفتح صفحة جديدة، صفحة نستمتع بها بـ”المعجزة المصرية” (على نمط المعجزة الشيلية)، وأرقام النمو الكبير،  وبالنظر في ناتج هذه المعركة: قد يكون القادم عسكريا، وقد يكون مدنيًا. 
وإن كان مدنيًا، من أفضل من مناضل ما يزال شابًا، سيكون خالد في الرابعة والخمسين تقريبا بعد عشر سنوات، مناضل قديم وشاب، هتف دائمًا بسقوط العسكر، وهتف دائمًا بحياة الشعب، والأهم: يمكنه أن يكون رجل دولة. طبعة ذكورية من ديلما روسيف، أو طبعة شابة من لولا ديسيلفا.
وعندما قرأت اليوم خبر لقائه بأولوند، بناءً على طلب هذا الأخير، قلت لنفسي: لِمَ لم أتعجب؟!
قد يكون خالد علي أوباما المصري، في أرض أدمنت أن تعطي مُلكها لأبعد من يتوقع الناس. قد تتعدي وعوده الحقائق أو قد تتعدى الفارق ما بين الرجاء والكذب، ولكن، قل لي بربك: من سوف يرفض انتخاب أوباما. من سوف يرفض الابتهاج الهستيري بأوباما.
قل لي بربك، مَن مِن السياسيين سيرفض أن يكون أوباما؟!
................................................................................
نشر هذا المقال في موقع إذاعة هولندا الدولية- هنا صوتك، في ٢٢ ابريل ٢٠١٦. يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا

Saturday, April 16, 2016

كليم الله فرعون


وأخذ الرئيس، يقولون إنه رئيس، عبد الفتاح السيسي رئيس مصر، يقولون إنها مصر، يتحدث لدقائق طويلة، وحدث أن حاول أحدهم الحديث، لينتفض الرئيس الهصور "أنا ما اذنتش لحد يتكلم".
قالوا إنها جلسة للحوار الوطني مع ممثلين لـ”الرموز”، وبصرف النظر، أو في الحقيقة هو رصف للنظر، عن اعتراضنا على ذهنية مصطلح الرموز، فقد كانت الأسماء المدعوة تنتقل بنا من الذهنية إلى الذهان، لنكاد أن نتحول لـ”سيساويين” صغار، محدثين أنفسنا أن مثل هذه الأسماء ينبغي إسكاتها طبعًا، أو، من باب أولى، يجب منعها من التكاثر.
يبدو علينا أن نراجع أنفسنا، قبل قول حماقة كهذه، لأن هناك منا من يقولون، في كل مكان ممكن، إن الرجل قاتل، ولكن. لكن هذه قد يتبعها بعض الأشياء مثل أن الجزيرتين التي تخلت عنهما مصر للسعودية هما سعوديتان من الأساس، أو أن عدد المعتقلين مبالغ فيه، أو أن كل هذا العسف الذي ينزل بنا هو نتيجة ارتجالات فردية أو يمكن عزوه لمؤسسة بعينها، أو أن الرجل لم يعرف بقرار حبس الروائي المصري الشاب أحمد ناجي (والذي ذهب للمحاكمة فإذ به يذهب لكمين)، بالطبع غير درة التاج: "هم لا يعلمون ما يفعلون"، وغير ذلك من الأقاويل التي تفكك كل ما يمكن انتقاد الرجل به، ثم يقولون إنه قاتل، وإن جئت للحق، كما يقول المصريون، فقد كان يقتل أعداء الوطن المهددين لهويته وأمانه، وهي السياسة كما تعلم.
من الوارد جدا طبعًا أن تكون الأشياء أو بعضها هي غير مما تظهر عليه، كما أن المبالغة في تصوير الدولة كإله محيط عارف بكل شيء هي فكرة سخيفة بلا شك، ولكن، أرجو منك التركيز قليلًا:
نعم، من بيننا من يدعون أنه قاتل، ولكنه حقانيّ.
إذن لماذا نزعل من هؤلاء "الرموز"؟ قد يبدو الأمر، من وجهة نظر لا تتسم باللباقة، أن من حضروا هذا اللقاء يعلمون دورهم جيدًا جدًا، هم على وعي بدورهم: ممثلون "كومبارس" يمنحون "الرئيس" فرصة التكلم للجماهير الغفيرة، من باب أن هناك "حوارًا" وطنيًا يتم، وهي الصيغة الأليق من توجيه خطاب مباشر للشعب يحمل شبهة الإملاء والانفراد بالرأي والسلطوية- وهي ذات التهم التي رمي بها السيسي بعد قراره الصاعق في مسألة الجزيرتين، وهي على كل شيء ليست صحيحة: لقد استشار الاسرائيليين. إذن يمكننا أن نتخيل، على حق أظن، أن هذا الوغد، من طلب الحديث بلا مبرر، هو من لم يفهم دوره في جمع كهذا، وهو السبب في قول "الرئيس" الجملة التي أفسدت كل هذا الإخراج الديموقراطي: هو لم يأذن لأحد بالحديث. ثم قطع التليفزيون إرساله- يبدو أن أحدهم في ماسبيرو ما يزال يتمتع بالحياء.
لم يأذن لأحد. العبارة ليست فقط عجيبة، بل تحيلك دونما قصد لفرعون موسى، الذي كانت مشكلته أن سحرته قد آمنوا قبل أن يأذن لهم، في بلد هي الأولى- على عكس كل سياقات الأنبياء في الكتب المقدسة- التي يأتيها رسول لا يتوجه بالدعوة لأهلها، بل ليدعو بعض أهلها للخروج منها مباشرة. قبل 3 آلاف عام، تقريبا، يقولون إن هذه الحكاية قد حدثت، وبعد كل هذه السنين، يبرز لنا فرعون يدعي أنه موسى بنفسه: كليمًا وذا عزم.
انتهى إذن واحد من أرسخ الأمثال الشعبية المصرية: من تظنه موسى، يكون فرعون. لا، لقد وحدنا المناهج.
"وماذا يفعل الفرعون؟ يتخلى عن جزر. وما يقوله موسى؟ “سأدخل السوشال ميديا بكتيبتين” و”ل يتكلم أحدكم في هذه المواضيع ثانية”، أو “هناك من يصعدون للباصات من اجل نشر الاشاعات”، ثم “لقد ربتني والدتي على احترام الحقوق….”، أو يحادثنا ،كأننا زوجته السيدة الفاضلة انتصار. بالطبع هذا انجاز اننا فهمنا أكثر من جملة واحدة من جمله التي تلغز عن الفهم، عادة.
.مصر؟ هي جوثام سيتي، التي يحاولون حمايتها من الأشرار.
...................................................................
نشر هذا المقال في موقع هنا صوتك بتاريخ ١٥ ابريل ٢٠١٦، للمقال الاصلي يرجى الضغط هنا

Thursday, March 31, 2016

العدل أساس الملك: في الحركة والسكون.

"وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"، آيه قرآنية، يستشهد بها الكثيرون من الحكام والقضاة في العالم العربي،
 بالإضافة إلى عبارة شائعة أخرى، ينسبها الناس تارة لأبي حامد الغزالي، وينسبها بعضهم لمجمل أعمال ابن خلدون، وهي "العدل أساس الملك". صحيح أن العدل هو قيمة إنسانية عامة جدا، ولا يمكن قصرها على ثقافة بعينها، ولكن في حالة مجتمعاتنا الإسلامية نجد العدل في القلب؛ هكذا كانت ثقافتنا في روحها، عدالة في وجه الظالمين، المستكبرين، الفخورين بذواتهم والمتجبرين. فكان العدل أساساً وميزاناً، ولا توجد سبة أسوأ من أن تكون ظالمًا، "لأن الله ذاته العدل، والعدل يعني الحق، والحق حبيب الله"، كما يقولون، وهو اسم ثان للذات العليا.

هكذ ينتقد كثير من المفكرين غياب العدل في ثقافة ارتكزت على مفهوم العدل، ليس فقط كعملية قضائية، ولكن كأساس لتقييم السياسة ذاتها، فقال ابن تيمية إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، فالعدل، مرة أخرى، هو أساس الملك.

إذن، فما دام الحاكم عادلاً، مادام حاكماً. لا يهم لكم من السنوات، لا يهم، ما دام عادلا، يستدعي عدله حق بالسياسة والرياسة والتولي.

هكذا ننظر للتداول الديمقراطي باعتبارها آلية لنظام سياسي قد ينوجد فيه العدل بشكل أكبر من النظم الأخرى، بينما تحولت العدالة في مجتمعات أكثر تطورًا منا لقيمة، أغلب الأنظمة الرئاسية تحدد فترة الرئاسة بمدة أو مدتين، وحتى الأنظمة البرلمانية، التي بطبيعتها لا تقيد عدد مرات تولي رئاسة الوزراء، صار هناك مفهوم عام أنه لا يجوز أن يبقى أحدهم حاكمًا لمدة تتجاوز العشر سنوات أو ما يزيد قليلا. في وطننا العربي نقول: وما قيمة هذا إن كان عادلا؟ هل نترك الرجل من النشامى (وكلهم نشامى مغاوير) من أجل ما لا نعرف؟

سنسأل هنا، أي عدل هو؟
لقد نشأت في مصر، وأعيش فيها، وحين كنت تلميذا في الفصل، كان يمكن أن يضرب المدرس الطلاب جميعهم لعجزه عن تحديد من فعل شغبا ما، فيعاقب الجميع بحجة "المساواة في الظلم عدل".

يمكنني أن أقول، في الحقيقة، "أي عدل هذا؟!"، ويمكنني أن أقول "هكذا نرى كيف تفسر النخبة الحاكمة عدلها"، ولكن الحقيقة بعيدا عن سخف التفسير السابق للعدالة، ولشمولية مبدأ العدالة والإنسانية نفسه، أن لكل زمان عدالته: لذا تتوالى القوانين التي تتغير بتغير المجتمع، وهكذا يكون لكل عصر تشريعه، وقانونه، وعدالته.

لكن لدينا نقول إن الأساس في الحكم ليس تعاقب الأجيال، التي تحدث قانونها وعدالتها بما يلائمها ويلائم عصرها، بل إننا نقول إن عدل الحاكم هو أساس حكمه، ودعنا من ظلمه الشائع الذي يراه عدلا، فحتى ولو كان "عادلا" فعلا، فهذا يعني أن تستقر طبقة بكاملها بمفهومها ليس فقط عن العدالة، وإنما عن الفن، والثقافة، والسياسة، والتعليم، والفلسفة.

يعني أن تتجمد مجتمعاتنا لمدد قد تصل إلى ثلاثين عاما أو أربعين عاما أو أكثر من هذا -في ظل سيطرة عقلية بعينها لا أشخاص بعينهم- حيث تأتي السلطة من ثقافة تثبت الحاكم، ليثبت الحاكم هذا المجتمع في عملية دائرية، تحاول تكسيرها وتهشيمها أفكار الديمقراطية التمثيلية، ومبادئ التداول وحقوق الإنسان، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في الروايات والأفلام، في برامج المؤسسات الأهلية.

نعم هناك سباق لعقل جديد يؤمن بالتغير والتداول، وبأن لكل جيل، أو أجيال متقاربة، مفهوما عن الحياة قد يختلف كثيرا أو قليلا عن الأجيال التي سبقته أو التي ستعقبه. لكن هذا دوما يصطدم بالعدل الذي هو أساس الملك، أو، بالأحرى، بالملك الذي يستخدم العدل.

ثم نسأل، ما الذي أوصلنا للسيسي؟!
ثم نسأل، عدل السيسي؟!
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
نشر في العربي الجديد بتاريخ ٣١ مارس ٢٠١٦، يمكنك رؤية المقال الأصلي هنا.

Saturday, March 19, 2016

المهرج ذو البلطة





كنا في مقهى قريب، نستريح من "تمشية" برلينية طويلة، ثم قادنا الحديث عن العلاقة ما بين المرأة والرجل لحكاية مثيرة: روت لي "يوفيتا" أنها رأت فيلمًا تسجيليًا، يتحدث عن قرية صغيرة في ألبانيا، حيث قررت بعض النسوة أن يتحولن قانونا لرجال، لا ليس لرغبات دفينة هنا أو هناك، بل من أجل المشاركة في القرار السياسي والإداري في القرية، المقصور على الرجال فقط!

ولكن الجميع يعرفون أنهن كن سيدات!
قلت متعجبا، فردت عليّ:
المجتمع هناك لا يحترم إلاّ الرجال، هكذا كان عليهن التحول لرجال..

نعم، ولكن الجميع سيعتبرهن نسوة في الأساس، لا أتخيل أن يعاملهن كما يعامل رجل بالولادة، لِمَ لم يمارسن السياسة والإدارة وهن نساء كما هن؟!
هذا ما جرى! وأنا أحترم هؤلاء النسوة.

طبعا، هكذا أجبت، من باب أنهن يهتممن بإدارة شؤونهن الأوسع من مجرد بيت صغير هنا أو هناك، ولإيمانهن بدورهن في العمل الإداري والسياسي، ولكن هل نعتبر تحول هؤلاء النسوة إلى رجال هو "إيمان بدور المرأة"؟! ظللت حائرا، الموضوع لم يكن مثل مناقشة قديمة حامية، مع صديقة عزيزة كانت فخورة بأن النساء يقدن "التريلات"، وأنا شخصيا لم أجد ذلك فتحا بأكثر من كونه غريبا، أول قائدة طائرة مدنية إنجاز بالطبع، ولكن سائقة "تريلا"؟! الموضوع هنا تعدى مسألة السياقة، ودخل في مستوى آخر أوحى لي بالقهر والعجز لا بالانتصار.

بعد هذا الحوار بشهر، فتحت لي يوفيتا صفحة إنترنت تحكي عن هؤلاء النسوة، أخذت أحدق في صور الرجال الذين كانوا نساء، الملابس، الإكسسوارات، القبعات فوق الرؤوس، طريقة الوقوف أمام عدسة الكاميرا، لا أنكر أن مظهر بعضهم لم يشِ أبدًا بما كان عليه الماضي، ولا حتى ملامحهم، سألت نفسي كيف يجلسون في الحانات؟ وهل من المفترض أن يحنوا رؤوسهم خجلًا إن استبان من امرأة أخرى عري غير مقصود؟ وما كان رأيهم في حمامات الرجال في الأماكن العامة؟ (قلت لنفسي هي قرية! أي سؤال سخيف هذا!).

طيب دعنا منهن، ما هو شعور الرجال "الأصليين" تجاه الموضوع بأكمله؟! هل سوف يضربون متحولا على ظهره أثناء المزاح بالقوة نفسها التي يضرب بها الرجال بعضهم؟! هل سوف يستدرجون المتحول لقول رأيه في النساء وكيفية كسب قلوبهن؟!

ظللت حائرا، وبدا الموضوع برمته عجيبًا وغريبًا، ثم قرأت خبرا عن أن مصر قد أصبحت رئيسة المجلس العربي لمكافحة الفساد، فقلت لنفسي إن اسمه الحقيقي هو "مجلس الفاسدين لمكافحة الفساد"، قلت لنفسي حسنا، هو الوطن العربي ومشاكله ونكاته وما إلى ذلك، ثم مضيت أكثر لأتذكر كلمات مثل "تعويم العملة"، و"الإصلاحات الاقتصادية"، و"الأمن القومي"، و"كاميرات مراقبة المرور، طبعا"، إذن لماذا أعترض على تحوّل نسوة لرجال من أجل السياسة؟! لماذا أجد هذا غريبا؟! طيب ألم تكن هي قناة سويس ثانية؟!

يعرف الكتّاب أن مزج المتقابلات يقوي الأثر التي تتركه الفكرة، هكذا كانت فكرة الخطيئة في مكان العبادة مثلا، أو الوحدة وسط الزحام، أو الأعمى البصير، أو ما فعله ستيفن كينغ في روايته الشهيرة "الشيء": الوحش الذي يأكل الأطفال يظهر غالبا في صورة مهرّج ضاحك، لكننا لسنا في أرض الخيال، نحن في أرض تحاكم الخيال بخيال مريض مقابل.

هكذا يحاكم الكاتب الصحافي والمدون والباحث المصري إسماعيل الإسكندراني، من قبل مهرج معه بلطة، ليحبس احتياطياً أكثر من مائة يوم في السجن، بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية
...............................................
نشر المقال في جريدة العربي الجديد في ١٩ مارس ٢٠١٦. لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا

Thursday, March 03, 2016

الشعب في خدمة الجميع




قبل ثلاث سنوات، كنا مع العم حسين، صديق الأدباء وجليس المثقفين، أنا وثلاثة من الكتاب المحترمين، في قهوة شعبية صغيرة، تشرف على المدافن في منطقة مصر القديمة.

كان الرواد القليلون يستمتعون ببعض من الشاي الخمسينة وما تيسر من أنفاس الشيشة القص أو التمباك، كان الجو عصرًا، ونسمة رقيقة تهب علينا من حيث يرقد الأموات بلا قلق، والنور في الهواء لطيف لا يعقد الحاجبين.


كنت أجرع من كوب الشاي أمامي عندما وجدت هذه الكتابة بخط مهتز، ولكن تصميمها ظهر عبر إتمام العبارة "الشعب في خدمة الجميع"!

التفتّ إلى العم حسين، وسألته "ما هذا؟!"، ضحك وشرح لي أن الحاج صاحب القهوة قد تملكه الحماس، بعدما نجحت الثورة، فقام بإزالة عبارة "مبارك نعم" -التي زاحمنا بها الأمن في عدة مناطق في الثمانية عشرة يوما الخالدة-، وقرر كأي مواطن شريف، كتابة عبارة فخيمة تليق بالمرحلة.

وبينما أنا أرشف الشاي مجددًا، وأنفث بعض دخان المعسل الذي تتبدل أحجاره بسرعة الصاروخ، أخذت أفكر في التركيبة اللغوية التي اعتمدها الحاج لكتابة شعاره، بالطبع تستدعي التركيبة شعار البوليس الخالد "الشرطة في خدمة الشعب"، وهو الشعار الذي تتقاسمه معنا بضعة بلدان عربية، حتى وصل الموضوع بالنظام الأسدي لتقديم "جهود" الشرطة في برنامج سوري يحمل ذات الاسم!

لا أعرف شخصيًا من ابتكر هذا الشعار: لعله تقليد اعتيادي لشعارات أوروبية، لكن المعنى كان موحيًا، دعنا نركز فقط في مصر: وزير الداخلية شعراوي جمعة (وهي نفس تركيبة اسم المليجي طه مثلا) يرعى مؤتمر المثقفين في عام 68 ومعه مستقبل مصر الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، ثم نرى السيد ممدوح سالم الذي كان وزيرًا للداخلية ثم رئيسًا للوزراء، لا يمكننا قول أي شيء يزيد عما يقوله لقب النبوي إسماعيل: الدموي إسماعيل.

نعرف زكي بدر طبعا، وعبد الحليم موسى شيخ العرب، وصولاً لحسن الألفي، وهذا الرجل يحسب له شيء، لقد قرر التوقف عن مثل هكذا سخافات، لم يغير من خدمات الشرطة للشعب، ولكنه غير الشعار أصلا في مرحلة من التصافي والشفافية والانفتاح، ليجعله "الشرطة والشعب في خدمة الوطن".

ما زلت أتذكر حوار له قرأته في العزيزة "روزا اليوسف" حين قال بكل أمانة: "نحن نسجل للناس ومن يخاف لا يتكلم ونحن لا نعمل لحساب إسرائيل"!، كان رجلا أمينًا، انتهت حياته المهنية بصوت حلقي من مبارك -وهو الوطن طبعا كما نعرف- بعد مذبحة الأقصر، ثم أتى مبارك بكمال شناوي الوزارة، اللواء حبيب العادلي، أو "حبيبي إلعبلي" مثلما ذهب أحد الأصدقاء بدون ذكر أسماء، طبعا.

انتهت مسيرة العادلي بصوت حلقي كبير من الشعب، ليأتي اللواء محمود وجدي، ليقرر إعادة الشعار القديم "الشرطة في خدمة الشعب"، وهو الأمر الذي تصفه صفحة كلية الشرطة على الإنترنت بـ "ليبدأ جهاز الشرطة مرحلة جديدة في تاريخه يؤدي دوره الوطني في إطار يقوم على: الديمقراطية والنزاهة وسيادة القانون وعدم التدخل في الشأن السياسي"، والنتيجة معروفة.

ويبدو أننا لا نحب الصريحين والنزيهين والشفافين مثل حسن الألفي، بالضبط كما هي سخرية حياتنا: كيف يضطر الناس لخوض حروب مع من يفترض بهم حمايتهم: مع من يفترض بهم تطبيق القانون!

قابلني العم حسين في ميريت بعدما توقف عن شرب الشيشة، ليقول لي إن الرجل، بإخلاص مواطن صالح بوليسي، قد أزال عبارة "الشعب في خدمة الجميع"، لا أذكر أنني سألته عما كتب مؤخرًا من عدمه، ولكنني أذكر أن عم حسين قد لامني على ذكر هذا "الإفيه" في حضور إبراهيم داود الذي كتبه على صفحته في موقع فيسبوك، قلت له: لا عليك، إبراهيم داود صياد جواهر أيضًا، والشكر للحاج البوليسي الشريف.

فتحت موقع فيسبوك، وقرأت وشاهدت ما تيسر من خطبة الرئيس طبيب الفلاسفة عبد الفتاح السيسي، قلت لنفسي إن الحاج قد تسرع، عبارته الصادقة هي أليق ما يمكن إطلاقه على المرحلة: الشعب في خدمة الجميع.

"صبح على مصر".
...............................................................
نشر هذا المقال في جريدة "العربي الجديد" في ٣ مارس ٢٠١٦. يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا

Thursday, February 25, 2016

في مديح إبليس


كانت لدي مدونة، أو بالأحرى، كنت نشيطاً في مدونة أمتلكها، وفي يوم من الأيام، وجدت مستخدماً يدعى "إبليس" يكتب لي: "هل أنت من كان يكتب في سلسلة مجانين وصدرت له رواية باسم كذا؟".

كانت التدوينة في عام 2005، والرواية التي قصدها لم تكن سوى فصلين من روايتي "اليوم الثاني والعشرون" قد نشرا في أخبار الأدب، وقتها كنت قد كتبت "مجانين" بالاشتراك مع أصدقائي الأعزاء أحمد العايدي ومحمد فتحي ضمن آخرين، ثم مجموعة قصصية بعنوان "الضفة الأخرى" في عام 2000 و2003، لم تكن "إنجيل آدم" قد صدرت بعد، ولا "اليوم الثاني والعشرون".

كان "إبليس" أو "بيسو"، اسماً مستعاراً لأحمد ناجي، وكان يمارس عبره كل ما يمكنك تخيله من جنون وتمرد، بدأت في متابعة ناجي، وأُعجبت تماماً بما يدونه من خيال بديع على مدونته، كيف يتخيل استيفان روستي في العتبة مثلاً، ثم صرنا نتبادل الملحوظات الإلكترونية بين وقت وآخر.

كنت فخوراً بأن أعرف شابا قد قرأ مجانين وهو في الثالثة عشرة من عمره، وكنت معجبا بأسلوبه في تفكيك كل شيء، أخيرا صدرت روايته الأولى "روجرز" التي أعجبتني وكتبت عنها، وبعدها بسنين طويلة، ذكرني أحمد العايدي أنني من حرضت ناجي على كتابة الرواية، جالسين في قهوتي المفضلة في وسط البلد.

كان ناجي متمرداً، يعامل أجواء القاهرة الجديدة عليه بمزيج معتاد من السكون والسلاطة، فيكون سليطا بشيء من الوداعة كإبليس، ثم وديعا بشيء من السلاطة كأحمد، مضت به الأيام وكالعادة في حالة كاتب موهوب شاب انقلبت الآية، أو لم تنقلب في الحقيقة، أحمد لم يعد وديعاً لا عبر الإنترنت ولا في الحياة الدنيا، لقد فقد الخفر والتردد المبدئي في مواجهة القاهرة، والحياة ككل، هذا الشاب المتمرد الوديع شبه البريء الذي أخبر أخته بفخر أنه قد قابلني أخيرا في القاهرة، قد زج بنفسه في عالم من أزحم عوالم القاهرة وأكثرها قسوة وبريقاً: الطريق ما بين وسط البلد والمهندسين، والبشر في ما بينهما.

ناجي، هذا الشاب الذي يمكن أن تلخص حكايته حكاية جماعة كاملة من شباب مصر تحت الثلاثين، العديد منهم قد تحولوا لروائيين وإعلاميين وكتاب، والذين تربوا في أحضان جماعة الإخوان المسلمين، أو في عائلات سلفية حتى، ثم صحوا، وأبصروا، ثم تمردوا.

كان ناجي أكثرهم تمرداً، ومن أكثرهم موهبة، كانت مسيرة ناجي القصيرة هي أكثر ما يماثل الانسلاخ، أو الولادة، المعجزة الحقيقية التي نشهدها كبشر، المعجزة الوحيدة الحقيقية التي نصنعها كبشر.

بدا لي أحياناً أن هذه الجماعة، في جيل أوساط العشرينيات وأواسط الثلاثينيات الآن في مصر، هي سبب للفرح وسبب للحذر، فإن كانت قد انسلخت من معاطف الجماعة، وهو كل أسباب الفرح، فهي حذرة تماما من العلمانية، وهو سبب للحذر، إلا أن ناجي قد استأثر بكل أسباب الفرح، ولم يدع سبباً لأي حذر، إلا من قبيل ما نشهده دائماً من تنافر شخصي، أو أيديولوجي بداخل الهم الإنساني الكبير.

كان ناجي، بكل استفزازاته، وبكل سلاطته، وبكل خفة إحكامه أحيانا، ونزقه، وصلفه الأبله، هو نصر حققه التطور في هذا البلد، شخص يمكن للدولة المصرية الحديثة أن تقول: لقد تربى في بيوتنا وتعلم في مدارسنا، ولم يكن جاهلاً، لم يتحول إلى يميني متحفظ، ولم يتحول - بالطبع - إلى إرهابي، هذا الفتى في التاسعة والعشرين، أو في الثلاثين، هو نتاج كل ما حاولنا تنميته في مثل هذا البلد.

وكيف تكافئ مصر هذا الشاب، هذه الجماعة التي تركت الجماعة من أجل فضاء أرحب وأوسع؟

تكافئها بسنتين من الحبس في مقابل الإبداع.

...........................................................
نشر في جريدة العربي الجديد في ٢٥ فبراير ٢٠١٦. يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا.

Thursday, February 18, 2016

الوطن ليس مسلسلًا


أنهى الفنانون عملهم: كانت هناك كلمات عربية مرسومة فوق الحائط.

توجه الفنانان المتحمسان، شاب وفتاة، لمسؤولي الإنتاج مبلغين إياهم أنهم قد أتموا عملهم، لم يتفحص أحد ما كتبوه، فقط ألقى أحدهم نظرة عامة، راق له المشهد؛ بدا فعلا كأرجاء معسكر للاجئين في سورية، شكر الفنانين وصرفهم.

بعدها ببضعة أسابيع، كان "دون ستون"، أكبر أعضاء الفريق الثلاثة، المسمى بـ "فناني الشوارع العرب"، يبدأ في التوتر جالسا إلى مكتبه، هل اكتشف المنتجون الأمر؟ راجع حسابهم البنكي: حسنا، لقد نجحوا. لقد دفع منتجو مسلسل "الأمن الوطني" (homeland security) مقابل خدماتهم فعلاً، ولم يراجع أحدهم الأمر.

كتب الفنانان، كرم كب وهبة أمين، العديد من العبارات، كان من أبرزها "الوطن عنصري".

جلسوا ينتظرون إذاعة الحلقة، لم يعرفوا أي حلقة هي في الموسم الجديد، ولكنهم كانوا محظوظين، ولم يضطروا لمشاهدة العديد من حلقات المسلسل السخيفة، لقد ظهرت عباراتهم في الحلقة الثانية بعدها بساعات، وكان بيان مجموعة "فناني الشوارع العرب" الذي أعلن عن اختراقهم للمسلسل (هي نفس مفرد hack التي ألفناها إلكترونيا)، ليكتب أن حلقات مسلسل الوطن عنصرية، ومليئة بالتضليل والادعاءات والدعاية للوطن الأميركي العظيم.

كتبت العديد من الجرائد الشهيرة عن الموضوع، وتناولتها العديد من البرامج الأميركية الساخرة، وكان حظي حسنًا حين عبرت بمكتب "دون ستون"، في ضاحية البرينزلاوبرج البرلينية الشهيرة، بعد إطلاق فيلم المجموعة القصير "الوطن ليس مسلسلا" عبر الإنترنت.

وعندما وصلت، حيّاني ستون بحفاوته المعتادة، ثم سألني إن كنت قد سمعت عن المقلب الذي فعلوه، أجبته بأنني قد سمعت شيئًا ما عن هذا، ولكنني أود سماع الحكاية كلها، قال لي هناك ما هو أفضل، شاهد هذا. وضعت السماعات وشاهدت الفيلم، ولكنه لم يكن تسجيليا فعلا، كان فيلماً فنياً يتناول ما حدث، ويقول وجهة نظر الفريق فيما فعلوه، قال لي ستون إن المخرجة الأميركية الشهيرة "لورا بويتراس" الحائزة على جائزة الأوسكار، قد استضافت إطلاق الفيلم عبر موقعها الإلكتروني المخصص لحرية التعبير.

في نهاية الفيلم استشهاد باختراق آخر، من فيلم "ويسترن" أميركي، حين يتلفظ الممثل ذو الأصل الأميركي بشتائم للغازي الأوروبي الأشقر الواقف أمامه، دون أن يفهم فريق التصوير الهوليوودي ما يتلفظ به، كنا نضحك أنا وستون على فكرة أن ما فعله الممثل، وما فعلوه هم، كان مدفوع الأجر، كان ستون مدفوعا دائمًا بنزعته السياسية، تذكرت كيف قابلته في المرة الأولى عبر صديقي العزيز مجدي الشافعي، مبدع رواية "مترو" المصورة، وكيف زرته لأول مرة في مكتبه، حين كنت أتأمل اللوحة التي يرسمها الصديق الفنان عمار أبو بكر، فوق حائط مجاور لمكتب ستون، مصورا شيماء الصباغ، كنت جالسا في برد برلين، مستعينا بشاي ساخن ولفافة تبغ جيدة، وبجواري كانت إيلين، التي ستعيش درامتها الشخصية بعد قليل جدا، حين يحتجز حبيبها المصري، الدكتور أحمد سعيد فور وصوله لمصر.

سألته: "ألم تخش أن يكتشف الأميركيون ما فعلتموه"؟ ذكرته بمشكلته مع السلطات المصرية حين صادرت كتابه "حوائط التحرير" قبل أقل من سنة، قال لي: "طبعا! كنت أنتظر ذلك، لكن لم يراجع أحدهم على أي شيء.. أي شيء البتة"، وددت أن أخبره كم أجد الأمر سخيفا حين يحضرون أحد الممثلين ليتلفظوا بأي كلمات ذات أصوات حلقية، ثم يبيعون ذلك للمشاهد الأميركي على أنهم "الارهابيين العرب"، كان ستون سعيدًا بما فعله، وكنت أنا سعيدًا أيضًا.

الوطن، ليس بالفعل، مسلسلًا مملا مليئًا بحكام كاريكاتوريين وأحداث لا تصدق.

فقط، لم أخبره أنني عندما رأيت الأخبار عما فعلوه، لم أفهم العبارة على محمل آخر، نعم: الوطن فعلا عنصري.

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
نشر هذا المقال بصحيفة العربي الجديد في ١٨ فبراير ٢٠١٦، يمكنك رؤية المقال الأصلي هنا

Thursday, February 04, 2016

سيف الاسلام خيرت الشاطر



انتهت الذكرى الخامسة ليناير، سناء نزلت وحيدة، ويقال إن عشرات من الإخوان نزلوا وحدهم في مكان بعيد. في أيام انتخابات الرئاسة الأولى بعد الثورة، أو بالأدق قبلها بقليل، أخبرني العم حسين أنه لا يتمنى أبداً أن يفوز خيرت الشاطر برئاسة الجمهورية.


كان عم حسين أحد المترددين على ميريت بكثرة والجالسين معنا دوماً، بود شديد وأريحية كبيرة، وبذاكرة لا بأس بها أبدى للشعر والأغاني اهتماماً، حتى حسبت أنه صديق لأحد الشعراء الكثيرين الذين يعبرون بالدار الدافئة والكبيرة مقاماً ودوراً، قبل أن أفهم أنها لأسباب تجارية، استطالت بعمق الصداقة التي بناها بعدد لا بأس به من أصدقائي.

هكذا كنت أتخيل أن يرد علي من زاوية أيدولوجية مؤكدة، ولكنه تابع بحماسة "طيب بذمتك دي خلقة الواحد يصطبح بيها متعلقة في مكاتب الحكومة؟!" قالها بحرقة أثارت ضحكي، ليتابع مرة أخرى بجدية ما "لا والله بجد يا عم علاء، طيب يعني السايح من دول ينزل المطار يشوف الخلقة دي ويرجع أزاي طيب؟!".

يجادل بعض أصدقائنا من الإسلاميين بتفاصيل كثيرة عن فكرة واحدة: الغرب الشرير الذي يريد مسخ هويتنا وحضارتنا، يبدأون من أول تكليف أتاتورك بهدم الخلافة، أو للحق يبدأون من عمالة رفاعة الطهطاوي لفرنسا ومحمد عبده للإنجليز، عابرين بعمالة سعد زغلول للقمار تقريباً وكونه ربيباً للورد كرومر، غير ناسين - طبعاً - طه حسين، ولا نجيب محفوظ، ولا الرئيس المؤمن أنور السادات الذين قتلوه بأنفسهم، أو قتله بعضهم.

يجادلون بكل حمية، وكل حماس، في أن كل تطوير للدين هو بسبب العمالة، وأن كل تحديث للسياق هو بدع مكروهة والعياذ بالله، وأن كل هذا التاريخ تاريخ منحول من خونة ومتهاونين ومتعاونين وكفرة، وبالطبع سيضمون أحمد لطفي السيد لو يعرفونه من أصله، دعنا من لويس عوض، فيكفيه اسمه.

طيب، وإن كانت مسألة هيمنة ثقافة على أخرى مثاراً لجدل أكاديمي برع فيه أصدقاؤنا الشيوعيون من دول الجنوب عامة، وإن كانت زاوية "إعادة كتابة التاريخ" لها بريقها الحاد لدى أي ذهن حاضر وإبداعي، فيمكنني فقط أن أسألك كيف اختار الإسلاميون لأنفسهم، بمحض إرادتهم ورغبتهم، مظهراً أشبه بأبي لهب وأبي جهل في الأفلام المصرية الإسلامية القديمة؟! كيف تحول "المسلمون" - كما يروق لهم تسمية أنفسهم - إلى "كفرة"؟!

كيف راقب المصريون بذعر في جمعة الخلافة الإسلامية أو ما شابه، التي دعت لها كل الحركات الإسلامية السلفية فأتي لها الناس من 17 محافظة كاملة، بميكروباصاتهم بأكلهم بأطفالهم بزوجاتهم بذقونهم بجلاليبهم بزبيبتهم، ليعجزوا عن ملء شارع سموه تجاوزاً بميدان النهضة، كيف راقب المصريون هؤلاء "المسلمين" وهم يصرخون في وجوههم، ويتشنجون فوق المسرح، في حدث حرص دهاء العسكر على كونه التظاهرة الوحيدة في تاريخ مصر التي تفتح فيها ميكروفونات التلفزيون بلا وقت محدد، ويغطيها الأخير بـ"كريين" - رافعة كاميرا - تصول وتجول في بانورامية، لتصل أصداء المشهد العجائبي لعيون كل المصريين، حين خطب فيهم "المسلمون" ثم تبعوا الخطبة بصلاة صلوا فيها صورة "الفتح" دون غيرها من سور القرآن الكريم.

كتبنا كثيراً في خيانة النخبة، ولكن، دعنا فقط نسأل: كيف تحولت صورة خيرت الشاطر إلى صورة أشد قبحاً واستغلاقاً من صورة عدلي كاسب في فيلم هجرة الرسول؟! كيف فاقت حقيقة رجل الإخوان المسلمين القوي خيال مخرج الفيلم في دور أبو جهل؟! بل كيف يتحمل بعض المصريين ما لا طاقة لهم به، فقط من أجل ألا يرجع هؤلاء؟!

وفي سياق متصل، وفي أرجاء ميريت أيضاً، قال لي الموك (اسم تدليل صديقنا أحمد أبو المكارم) إنه يتمنى فوز شخص يليق بالرئاسة، "رئيس فـِخـِم" على حد تعبيره. والحمد لله لم يصل أبو لهب المسلم لرئاسة الجمهورية، ولا حتى "الفـِخـِم".
...................................................................................
نشر هذا المقال في جريدة العربي الجديد بتاريخ ٤ فبراير ٢٠١٦. يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا

Friday, January 22, 2016

البراءة جهل


كنا في ميريت، انا والعايدي وإبراهيم داوود وآخرون، وفيما اتذكر، طرح داوود سؤالا بدت لنا اجابته بديهية: “ماذا تفعل لو حاول لص سرقتك بالاكراه؟!”. اجبنا انا والعايدي “سنقاوم”. هز ابراهيم كتفيه وقال كمن يقرر حقيقة كونية “لا طبعا، سأعطيه المحفظة”. وأمام استحسان البعض لرد داوود، نظرنا انا والعايدي لبعضينا وصمتنا. تملكني هذا السؤال، وطفقت افكر فيه بين كل حين وآخر، في اوروبا وامريكا يعطون الحافظات، بل حتى ينصحونك بوضع ورقة مالية من فئة معقولة، حتى لا يغضب السارق، الذي هو في حالتهم سيكون غالبا من المدمنين، فيقتلك غيظا. بدا الموضوع حكيما، ولكنني قلت لنفسي “وهل من يسرق عندنا من المدمنين فحسب؟”. 

وباعتبار انه لم يسبق لي الوقوع في ذات المأزق قبلا، فقد كنت احاول تخيل ما الذي يمكنني حقا فعله، تذكرت الخناقات المتباعدة التي تورطت فيها، سواء في مصر او في اوروبا، وغالبا ضد اكثر من فرد في ذات اللحظة، بحماقة بالغة، ولكنني نجوت بدون اصابات حقيقية أو خسائر، وقبل ان اشكر “شجاعتي”، تذكرت ما قاله لي تيم، صديق انجليزي يضرب الآن في اطناب شنجهاي، عن مدى حماقة المصريين الذين يتورطون في خناقات مع من يفوقهم عددا وقوة في الشوارع، اثنى بدافع من أدب انجليزي مجامل ومعهود على هذه “الشجاعة”، ولكنه سأل سؤال مستحق عن النتيجة الاحتمالية لهكذا موقف. يجب، إذن. أن اشكر حظي الحسن؟! هل الوم داوود الملك؟! أم ألوم من علمني قصته؟!

وعندما كنت اصغر من عمري الحالي بخمسة عشر عاما تقريبا، رأيت روائيا لا يسعفني الزمن بتذكر اسمه، ولكنني اتذكر ما صدر به روايته الصادرة من هيئة قصور الثقافة؛ لقد كتب أن البراءة جهل. وظللت، ايضًا، افكر في العبارة. في يوم بعيد آخر، كان بلال فضل يجلس معي، محاولا شرح ما يعتنقه من عدمية ايجابية كما اسماها: الكل للعدم، فافعل ما تحب، فسألت نفسي أهناك ايجاب وسلب في عدم؟ أيوجد معنى في استحالته؟! أي عبث هذا؟!

وهكذا، وجدنا انفسنا نعتبر ان البراءة جهل، وأن الشيطان روح تواقة للمعرفة، وأن الايمان يعني الدوجمائية، وأن العدم هو  الوجود، وان اللطافة ضعف، وان السخرية، بل التهكم المر الكريه، هي قوة، هكذا وجدنا أن الشر هو من يرث الدنيا، هكذا وجدنا ان الشرير هو الملك، هكذا فكرنا في عالم الحيوان باعتباره الكتاب الاسمى للحياة، هكذا قلنا أن الحياة لا تدين لنا بشيء، هكذا قلنا أن النجاح يعني الفساد أو بعضه، والثراء يعني السرقة أو بعضها، هكذا قلنا انه لا عدل.

 وكلما هيئ لنا اننا قد ابتعدنا عن الدين، يمكننا ان نذكر انفسنا بأن المسيح قد قال “الشيطان إله هذا العالم”، وأن القرآن قد قال “ولا تلقوا بانفسكم إلى التهلكة”. 
لم نفكك المعاني لننزع القداسة، أو نخفف الحدية؛ لم نسلم بالعدم، بل صرنا مؤمنين به.

حتى عندما فاجأنا انفسنا، في اليوم الثامن والعشرين، وكنا افضل من احلامنا، وجدنا بعضنا يعتذر لا للناس، بل لنفسه، عن ذلك اليوم. اعلم اننا فيما تبع السطوع قلنا لأنفسنا “نحن افضل جيل”، وها نحن فيما يشبه الانطفاء نقول لانفسنا “نحن اسوأ جيل”، نعم، هذا معتاد. أعلم ان الخطاب حال، ففي النصر نرفع رايات المعنى، وفي الهزيمة نرفع رايات العدم. نعم. هذا معتاد.

ولكن، اخبرني: كيف تنجح ثورة يتصدى لها مجموعة من العدميين؟! 

اخبرني: كيف يمكن لاسماعيل الاسكندراني النجاة من جلاديه، ونحن بهذا الشكل؟!

.............................................................
نشر على موقع العربي الجديد في ٢١ يناير ٢٠١٦، لرؤية المقال الأصلي يرجي الضغط هنا. 

Saturday, December 13, 2014

في ارتداء القباعات.


كضباب زفرة تصطدم بمرأة،
كانت قدماي في شوارع الحياة.

ولم اجد وردة تنبت بين شفتيها،
بالضبط، في المرآة، 
حين تكون الاذن اليمني، هي اليسرى.
بالضبط، حين يعني الكلام شيئًا.

لم اعد اضغط علي اليد حين السلام،
واطيل الجد، كثًا كثيفًا، 
واصبحت لا اؤمن بالقطط.
فقط،
ساركز حثيثًا في علامات القدر.


تمر الليالي كجمل مجاملة متعلثمة ومضغمة،
كرد على تحية لم يقولوها.
فأهرب بالمشي، ناظرا إلى الداخل.

لا مبولة يمكنها تلقي الحياة،
كسائل اصفر رغويّ.

هكذا، بلغت الحكمة.

Tuesday, September 16, 2014

The Mechanical Corps.


I was sitting, nonchalantly or so it seemed, on the shore of Lake Wennesse. Home was thousands of miles away, but, even in this beautiful place, full of beautiful people, dog, greenery, sun, and lots of swans, it was occupying my thoughts.
Maybe that’s why I borrowed a pen and a paper from a blonde sitting by me, who was so involved in her work, marking papers filled with blue inscriptions with a red pen. She could not help but work, it seemed. It was not a way of opening a conversation, introducing an exotic foreigner with a funny accent. It was really for the sake of exorcising this haunting essence of home, and writers know this well, or at least some of them.
It was emotional, yes, but it had something to do with logic. My new German friend did not understand the logic of the whole thing. She looked at me, with her green-grey eyes, saying that world was so distant from her. I would argue with Honecker, but—actually—arguing would not get me anywhere, and moreover, Honecker’s course has its own logic, one we can understand in the light of a certain ideology, even if we strongly disagree. But Sissi, the new Pinochet of Egypt, has no logic but the raw grip on a primitive concept of power, mingled with a great deal of collective insanity hitting home, of which he’s both a manufacturer and a product.
Since I left Egypt nearly month ago, the madness continues to prevail: After two days where voters were obviously absent, days filled with hysterical threats by the field marshal and his government, Sissi went as far as imposing a third day of voting, and finally announced himself a winner with 97% of 48% of voters, after which the media went on to attack “traitors” who modified his recorded victory speech to make him look “darker,” and the FJP — the party of the Muslim Brotherhood — website is speaking about how Sissi bleached his skin to look whiter with a million dollar cost, but in order to recover, he will look “darker.”
Such encounters can be added to the duck-as-spy, the Muppet-conspiracy, turning HIV to kofta, and for sure, the boy-toys-to-spy-tools they caught in the Cairo International Airport.
Yesterday, I was with Jovita at an art exhibition. It was celebrating the 40th anniversary of a Berliner art gallery and artists’ studios, dedicating the exhibition to German artists who created futuristic sci-fi comics and dedicated to Jules Verne, using a style attributed to industrial Germany in the beginning of the 20th century. No wonder they called it “The Mechanical Corps.” I could not help but think that Egypt was going down the same course exactly, reinventing the past to the future. It would be so appealing in art, even inspiring, but in the reality, and more specific in the political sphere, it is devastating.
Ah! The blonde in the park had to go, so she had her pen back with a lovely sorry smile. I felt helpless, until a kind guy, who was alert even though cuddling with a woman, helped me out with a pen. Blue ink going after black one: inconsistency. Egypt.
Maybe it was a sign, just to stop thinking, worrying, analyzing Egypt. As a poet friend put it over a chat box on Facebook: “You are coming back to the shit again, so try not to entrench yourself in it now.” Yes, she’s right, but I cannot help it, and I cannot help noticing that “shit” is the code name for Egypt now.
As in literature — as in Flaubert’s sort, the first modern novelist, according to Illyosa — getting drowned in sentimentality means you are dead in it. I do not want it to be a sentimental one, and as proof I would say that Egypt had the code name shit before, back in the days before January 25. Not the very year before it, but years before it, that’s a truth. But again, I cannot help but think that in these old days, it was shitty but abstract, when we had the time and the mind for a movie-night, or a Nile cruise, or gathering in bars. Every word did not vibrate with intense politics, people did not try to measure up their words carefully so as not to be a Muslim Brother, or Mubarakian, or an Army lover. We did not seek approval from the surroundings like cocaine addicts; we were not so damn hysterical like this, back when everything was still unexpected, inexperienced. I try to enjoy my time in Berlin, but it is scary to think I am chasing a status I had five years ago with no success.
Now you may add nostalgia, which is a great aspect of sentimentality, but to blow this up, I can tell you about my scares from Mubarak and SCAF bibi-bullets. I’d tell you how I got these two scars on my writing leg in the Muhammad Mahmoud streets riots, and all of this lyrical shit, but I could also direct you to another scar, a long one, on the other leg. Well, it was done by my cat.
It was the cat claws, trying to catch on anything before falling from my attic. We should not fall into sentimentality and nostalgia; scars can be created by generals and by cats.
See? It is so logical for Jovita not to understand, and for that I kept silent, trying not to speak about it, but she would usually say, as we were surfing the streets of Berlin, that I looked “serious.” I love walking you know, as a real downtowner, the true son of Cairo, but more and more it became harder to everyone, especially those guys up in Cairo in the moment. Over Facebook, I could understand from friends in many areas that “The People’s Enormous Joy” over Sisi’s win was actually in three or four separate spaces, and even with that and everywhere else, it was a few gangs of people riding tok-toks, closing the streets, halting the traffic, so you could see “the loving crowds” flowing out into the streets, maybe naming the Field Marshal and his entire family all together.
Away of such thoughts, I try not to look serious and I try to enjoy the walk, the talk. It was funny and intriguing that we interact in a language which is not either of our mother tongues. It seemed like me speaking to some Mubarakians and Army lovers: You can remove the infatuation.
We were strolling by Check Point Charlie, and I was enchanted by the history flaring up out of the spot. I always was a history lover, an avid one, but the scene of US and Soviet personnel around garrisons, wires, and tanks, all in black and white, drew me back to a different place. A few months ago, I was invited by a book club to discuss my books, so I went there, exercising my love to walking, and I passed by the headquarters of the Northern Egyptian Command, the same set, garrisons, tanks, and masked army personnel. Now, in front of me, I can see the US and Soviet occupation forces bare-faced.
I was brought up in downtown Cairo, just in front of Ministry of Interior, and through my short life, I saw it growing more and more into a fortified beast, and the only lesson I could glean from this, especially the recent cutting of half of the street with a wall, is that whatever garrisons put in place will never be removed. I looked to Check Point Charlie now, again.
And when I went to the nice guy to give him back his pen, writing only half of this for the lack of papers, his lover, a nice lady with some northern English accent asked if I had finished writing my will, pointing out to the paper in my hand. I smiled and I told her that’s a bad omen. She said apolitically that she had written her own. I noted that F. Scott Fitzgerald had written in his obituary that he “had potential, and Great Gatsby proves it.” The bastard did not really know, I told her. She did not know him, but she knew Gatsby, and that lots of artists can feel the same. I bored the couple with another story about the end of Modiliagni, before I thanked them and went.

If this lady managed to read those letters now then I would thank her. Because for five minutes of this day, of this trip, I was speaking purely about art, thinking entirely about art, even if they were sad stories, and even if her joke about writing my will hit a naked nerve.