designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Saturday, April 16, 2016

كليم الله فرعون


وأخذ الرئيس، يقولون إنه رئيس، عبد الفتاح السيسي رئيس مصر، يقولون إنها مصر، يتحدث لدقائق طويلة، وحدث أن حاول أحدهم الحديث، لينتفض الرئيس الهصور "أنا ما اذنتش لحد يتكلم".
قالوا إنها جلسة للحوار الوطني مع ممثلين لـ”الرموز”، وبصرف النظر، أو في الحقيقة هو رصف للنظر، عن اعتراضنا على ذهنية مصطلح الرموز، فقد كانت الأسماء المدعوة تنتقل بنا من الذهنية إلى الذهان، لنكاد أن نتحول لـ”سيساويين” صغار، محدثين أنفسنا أن مثل هذه الأسماء ينبغي إسكاتها طبعًا، أو، من باب أولى، يجب منعها من التكاثر.
يبدو علينا أن نراجع أنفسنا، قبل قول حماقة كهذه، لأن هناك منا من يقولون، في كل مكان ممكن، إن الرجل قاتل، ولكن. لكن هذه قد يتبعها بعض الأشياء مثل أن الجزيرتين التي تخلت عنهما مصر للسعودية هما سعوديتان من الأساس، أو أن عدد المعتقلين مبالغ فيه، أو أن كل هذا العسف الذي ينزل بنا هو نتيجة ارتجالات فردية أو يمكن عزوه لمؤسسة بعينها، أو أن الرجل لم يعرف بقرار حبس الروائي المصري الشاب أحمد ناجي (والذي ذهب للمحاكمة فإذ به يذهب لكمين)، بالطبع غير درة التاج: "هم لا يعلمون ما يفعلون"، وغير ذلك من الأقاويل التي تفكك كل ما يمكن انتقاد الرجل به، ثم يقولون إنه قاتل، وإن جئت للحق، كما يقول المصريون، فقد كان يقتل أعداء الوطن المهددين لهويته وأمانه، وهي السياسة كما تعلم.
من الوارد جدا طبعًا أن تكون الأشياء أو بعضها هي غير مما تظهر عليه، كما أن المبالغة في تصوير الدولة كإله محيط عارف بكل شيء هي فكرة سخيفة بلا شك، ولكن، أرجو منك التركيز قليلًا:
نعم، من بيننا من يدعون أنه قاتل، ولكنه حقانيّ.
إذن لماذا نزعل من هؤلاء "الرموز"؟ قد يبدو الأمر، من وجهة نظر لا تتسم باللباقة، أن من حضروا هذا اللقاء يعلمون دورهم جيدًا جدًا، هم على وعي بدورهم: ممثلون "كومبارس" يمنحون "الرئيس" فرصة التكلم للجماهير الغفيرة، من باب أن هناك "حوارًا" وطنيًا يتم، وهي الصيغة الأليق من توجيه خطاب مباشر للشعب يحمل شبهة الإملاء والانفراد بالرأي والسلطوية- وهي ذات التهم التي رمي بها السيسي بعد قراره الصاعق في مسألة الجزيرتين، وهي على كل شيء ليست صحيحة: لقد استشار الاسرائيليين. إذن يمكننا أن نتخيل، على حق أظن، أن هذا الوغد، من طلب الحديث بلا مبرر، هو من لم يفهم دوره في جمع كهذا، وهو السبب في قول "الرئيس" الجملة التي أفسدت كل هذا الإخراج الديموقراطي: هو لم يأذن لأحد بالحديث. ثم قطع التليفزيون إرساله- يبدو أن أحدهم في ماسبيرو ما يزال يتمتع بالحياء.
لم يأذن لأحد. العبارة ليست فقط عجيبة، بل تحيلك دونما قصد لفرعون موسى، الذي كانت مشكلته أن سحرته قد آمنوا قبل أن يأذن لهم، في بلد هي الأولى- على عكس كل سياقات الأنبياء في الكتب المقدسة- التي يأتيها رسول لا يتوجه بالدعوة لأهلها، بل ليدعو بعض أهلها للخروج منها مباشرة. قبل 3 آلاف عام، تقريبا، يقولون إن هذه الحكاية قد حدثت، وبعد كل هذه السنين، يبرز لنا فرعون يدعي أنه موسى بنفسه: كليمًا وذا عزم.
انتهى إذن واحد من أرسخ الأمثال الشعبية المصرية: من تظنه موسى، يكون فرعون. لا، لقد وحدنا المناهج.
"وماذا يفعل الفرعون؟ يتخلى عن جزر. وما يقوله موسى؟ “سأدخل السوشال ميديا بكتيبتين” و”ل يتكلم أحدكم في هذه المواضيع ثانية”، أو “هناك من يصعدون للباصات من اجل نشر الاشاعات”، ثم “لقد ربتني والدتي على احترام الحقوق….”، أو يحادثنا ،كأننا زوجته السيدة الفاضلة انتصار. بالطبع هذا انجاز اننا فهمنا أكثر من جملة واحدة من جمله التي تلغز عن الفهم، عادة.
.مصر؟ هي جوثام سيتي، التي يحاولون حمايتها من الأشرار.
...................................................................
نشر هذا المقال في موقع هنا صوتك بتاريخ ١٥ ابريل ٢٠١٦، للمقال الاصلي يرجى الضغط هنا

No comments: