designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Saturday, March 19, 2016

المهرج ذو البلطة





كنا في مقهى قريب، نستريح من "تمشية" برلينية طويلة، ثم قادنا الحديث عن العلاقة ما بين المرأة والرجل لحكاية مثيرة: روت لي "يوفيتا" أنها رأت فيلمًا تسجيليًا، يتحدث عن قرية صغيرة في ألبانيا، حيث قررت بعض النسوة أن يتحولن قانونا لرجال، لا ليس لرغبات دفينة هنا أو هناك، بل من أجل المشاركة في القرار السياسي والإداري في القرية، المقصور على الرجال فقط!

ولكن الجميع يعرفون أنهن كن سيدات!
قلت متعجبا، فردت عليّ:
المجتمع هناك لا يحترم إلاّ الرجال، هكذا كان عليهن التحول لرجال..

نعم، ولكن الجميع سيعتبرهن نسوة في الأساس، لا أتخيل أن يعاملهن كما يعامل رجل بالولادة، لِمَ لم يمارسن السياسة والإدارة وهن نساء كما هن؟!
هذا ما جرى! وأنا أحترم هؤلاء النسوة.

طبعا، هكذا أجبت، من باب أنهن يهتممن بإدارة شؤونهن الأوسع من مجرد بيت صغير هنا أو هناك، ولإيمانهن بدورهن في العمل الإداري والسياسي، ولكن هل نعتبر تحول هؤلاء النسوة إلى رجال هو "إيمان بدور المرأة"؟! ظللت حائرا، الموضوع لم يكن مثل مناقشة قديمة حامية، مع صديقة عزيزة كانت فخورة بأن النساء يقدن "التريلات"، وأنا شخصيا لم أجد ذلك فتحا بأكثر من كونه غريبا، أول قائدة طائرة مدنية إنجاز بالطبع، ولكن سائقة "تريلا"؟! الموضوع هنا تعدى مسألة السياقة، ودخل في مستوى آخر أوحى لي بالقهر والعجز لا بالانتصار.

بعد هذا الحوار بشهر، فتحت لي يوفيتا صفحة إنترنت تحكي عن هؤلاء النسوة، أخذت أحدق في صور الرجال الذين كانوا نساء، الملابس، الإكسسوارات، القبعات فوق الرؤوس، طريقة الوقوف أمام عدسة الكاميرا، لا أنكر أن مظهر بعضهم لم يشِ أبدًا بما كان عليه الماضي، ولا حتى ملامحهم، سألت نفسي كيف يجلسون في الحانات؟ وهل من المفترض أن يحنوا رؤوسهم خجلًا إن استبان من امرأة أخرى عري غير مقصود؟ وما كان رأيهم في حمامات الرجال في الأماكن العامة؟ (قلت لنفسي هي قرية! أي سؤال سخيف هذا!).

طيب دعنا منهن، ما هو شعور الرجال "الأصليين" تجاه الموضوع بأكمله؟! هل سوف يضربون متحولا على ظهره أثناء المزاح بالقوة نفسها التي يضرب بها الرجال بعضهم؟! هل سوف يستدرجون المتحول لقول رأيه في النساء وكيفية كسب قلوبهن؟!

ظللت حائرا، وبدا الموضوع برمته عجيبًا وغريبًا، ثم قرأت خبرا عن أن مصر قد أصبحت رئيسة المجلس العربي لمكافحة الفساد، فقلت لنفسي إن اسمه الحقيقي هو "مجلس الفاسدين لمكافحة الفساد"، قلت لنفسي حسنا، هو الوطن العربي ومشاكله ونكاته وما إلى ذلك، ثم مضيت أكثر لأتذكر كلمات مثل "تعويم العملة"، و"الإصلاحات الاقتصادية"، و"الأمن القومي"، و"كاميرات مراقبة المرور، طبعا"، إذن لماذا أعترض على تحوّل نسوة لرجال من أجل السياسة؟! لماذا أجد هذا غريبا؟! طيب ألم تكن هي قناة سويس ثانية؟!

يعرف الكتّاب أن مزج المتقابلات يقوي الأثر التي تتركه الفكرة، هكذا كانت فكرة الخطيئة في مكان العبادة مثلا، أو الوحدة وسط الزحام، أو الأعمى البصير، أو ما فعله ستيفن كينغ في روايته الشهيرة "الشيء": الوحش الذي يأكل الأطفال يظهر غالبا في صورة مهرّج ضاحك، لكننا لسنا في أرض الخيال، نحن في أرض تحاكم الخيال بخيال مريض مقابل.

هكذا يحاكم الكاتب الصحافي والمدون والباحث المصري إسماعيل الإسكندراني، من قبل مهرج معه بلطة، ليحبس احتياطياً أكثر من مائة يوم في السجن، بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية
...............................................
نشر المقال في جريدة العربي الجديد في ١٩ مارس ٢٠١٦. لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا

No comments: