designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Wednesday, May 27, 2009

وراء الفردوس



أظن أنه خبر سعيد جدًا لكل محبي ومتابعي الأدب الرفيع، ومن قرأ متاهة مريم، سيعرف تمامًا عما اتحدث...

مبروك علينا يا منصورة

...................................................

منصورة عز الدين

وراء الفردوس

"لا أمل فيك ِ. لن تنضجى أبدًا. لن تصيرى شخصية واقعية على الإطلاق".

اعتاد أن يقول لها في السنة الأخيرة من عمر زواجهما القصير. أصبح يتعامل معها كأنما تمثل الشرق بينما يمثل هو الغرب، والشرق والغرب لا يلتقيان كما أكد كيبلنج!!

ظيا أنت مش غربى أصلاً، وأنا مش بأمثل غير نفسى. أنا حتى مش بأمثلها ولا فهماها.

لا يرد عليها رغم انزعاجه من تأكيدها أنه ليس غربيًا. هو يكره من يذّكره بشرقيته، يقدم نفسه دومًا باعتباره بريطانيًا، ويجهد نفسه طوال الوقت للتخلص من أى لكنة باكستانية قد تشوب إنجليزيته التي ينطقها بلهجة أكسفورد المترفعة، وحين يندهش من أمامه من ملامحه الشرقية وسمرته الجميلة، يوضح مضطرًا أن والديه من باكستان. أمه من الباشتو وأبوه كشميرى.

هو الذي غادر كشمير الباكستانية في عمر الخامسة مع والديه إلى إنجلترا يقول أن لغة الباشتو التي اعتاد أن يسمعها من عائلة أمه حين كان يزورهم معها قبل الهجرة ما يزال صداها يتردد في ذاكرته كموسيقى غامضة. من وقت لآخر يسمعها في ذهنه كأغنية شجية تذكره بسنواته الخمس الأولى.

أحبت فيه سلمى تلك النعومة الخفيفة التي تؤكد ذكورته ولا تنفيها، شغفه بها الذي لم يحاول أن يداريه منذ أن وقع بصره عليها لأول مرة. لم تكن قد انتبهت بعد لتناقضاته العديدة.

معه تعرفت على جسدها واقتربت من نزواته ونوبات شغفه وشهوته. انغمس كلاهما في الآخر بسرعة أدهشتهما معًا.

حين أخبرت والدها برغبة ظيا في التقدم لطلب يدها، انزعج بشدة وصرخ في وجهها، بل حتى هم أن يضربها. إذ كيف تجرؤ على الزواج من شخص أجنبى على غير ديانتها؟ شرحت له بالتفصيل الممل أن ظيا مسلم من باكستان، وأنه فقط يعيش مع والديه في إنجلترا ويحمل جنسيتها. قالت له أن اسمه ظيا هوالتحريف الباكستانى لاسم "ضياء" العربى. فطلب أن يراه ويتحدث معه أولاً.

وافق على الزواج عندما لمس إصرار ابنته المدللة على الرغم من المعارضة الشديدة لشقيقها خالد. تعاطف رشيد مع الحب العنيف الذي لمسه بين ابنته وذلك الأجنبى الغامض بالنسبة له، ظن مثل آخرين أن الحب هو أكثر الأشياء قوة في العالم، لم يخبره أحد من قبل أنه أيضا أكثر الأشياء هشاشة.

كانت سلمى معوقة بطريقتها الخاصة. تمثلت إعاقتها في عدم وعيها بجسدها أو إحساسها به. امرأة في الثلاثين بجسد مثير عامر بالمنحنيات والاستدارات، إلا أن وعيها به كان وعى طفلة صغيرة بجسدها الغض. بدت دائمًا كأنما نما جسدها ونضج في غفلة منها ومن إحساسها به.

كانت ترتبك إذا أطال أحدهم النظر له، تشعر أنه يلسعها بنيران غير مرئية، لكنها حامية. ترتبك بالأساس لأن ذلك يؤذى تلقائيتها في التعامل مع نفسها، يخرجها عن طفولة حواس ارتضتها وتواءمت معها.

لم يكن هذا يضايقها، إلى أن بدأت علاقتها بظيا، في البداية أعجبه ذلك. ظنه نابعًا من تحرر شديد ومن عدم الوقوع في أسر فكرة الجمال بشكل مطلق. رآها غير منتشية بجمالها أو حتى مكترثة به، هي جميلة لأنها لا تدرك أنها كذلك، كما أخبرها.

غير أنه فيما بعد بدأ يدرك مشكلتها بشكل أعمق، كونها حالة فرويدية بامتياز مثلما اعتاد أن يردد بيقينية تجرحها.

بعد انطفاء جذوة الشغف الأولى التي أنستها مشاكلها مؤقتًا، تحولت العلاقة بينهما تدريجيًا إلى شىء مقيت يضغط عليها، كان جسدها يتمرد، بخرسه وحياده وبروده. لا يستجيب للمساته أو مداعباته، تحول إلى جسد ميت، كأنما ينتقم منها ومنه على طريقته الخاصة. بموته كان يحيل جسد ظيا هو الآخر لجثة غير قادرة على إشعال الرغبة فيها.

في السابق كان يكفي أن تراه أو تتابع حركات يده وأصابعه التي يمررها من وقت لأخر فوق رأسه كى تشتعل رغبتها. ربما سيندهش ظيا إذا عرف أن أصابعه الطويلة الرشيقة إضافة لنظراته المفتونة بها كانا أول ما جذبها إليه.

أما الآن فلم تعد حتى قادرة على استعادة ذكرى النيران التي كانت تشتعل في جسدها بمجرد أن يلمسها.

تستعيده فقط عبر ابتسامته اللطيفة، والهدوء الذي يتعامل به مع أعقد المواقف. عبر قراءته لأشعار أبى نواس بعربيته التي تضحكها من فرط ركاكتها. تستعيده قبل كل شىء بروائح القرفة، الكركم، العُصفر، والزعفران وبهارات الماسالا.. بالنكهة الحريفة للأطعمة الكشميرية والباكستانية التي اعتاد أن يتفنن في إعدادها مستخدما زيت الخردل معها جميعًا: دجاج جالفريزى، مرقة الباذنجان باللوز، ماسالا الدجاج.

أخبرها ذات مرة أن المطبخ وروائح البهارات المميزة هما أشد ما يربطه بثقافته الأولى. حين يقف في المطبخ كعادته لإعداد أحد أصنافه المفضلة، يشعر أنه في بيت والديه في مانشستر، بل حتى في بيوت أقارب أبيه في كشمير، تلك البيوت التي لا يتذكرها، إنما تتسرب إليه من وقت لآخر عبر روائحها المميزة.

كان يندهش من كرهها لرائحة القرفة، والكركم، ولمذاق الشاى الأخضر والزنجبيل، من توجسها من المأكولات الغريبة عما اعتادت عليه. بالنسبة له الرائحة والمذاق هما المدخل الأول لجنة الحواس، وهي لن تتعرف على جسدها ورغباتها بشكل صحيح، إذا لم تفتح كل مسامها للمذاقات الغنية وروائح الطعام المثيرة.

كانت تقف بجواره وهو يطهو، فتتعجب من استغراقه التام فيما يقوم به، ينسى وجودها أحيانًا، ويندمج بكليته في طهي مكلل بموسيقى شوبان المنبعثة من الكاسيت في حجرة المكتب. فور زواجهما سافرت معه إلى مانشستر للتعرف على أسرته. ذكرتها والدته بعمتها نظله، الهدوء نفسه، والقراءة المستمرة في القرآن، والطرحة البيضاء التي تغطى بها شعرها.

أعدت لهما الأسرة بمناسبة الزواج وليمة "وازوان"، أحبت سلمى الطقس المصاحب لأكلها، في مجموعات من أربعة أشخاص. أعجبها أن تشارك في هذا التقليد الكشميرى البحت في آخر مكان تتوقع فيه ذلك وهو إنجلترا. تغلبت مؤقتا على توجسها من الأكلات الغريبة عليها، ربما بسبب طابع المرح الذي غلّف المناسبة.

أحبت من بين أصناف الوازوان الريستا بشكل خاص، أو كرات لحم الضأن المطبوخة في صلصة مرق اللحم، وحين جاء دور الجوشتابا في نهاية الوجبة كانت قد أتخمت من الأصناف السابقة، كما لم تستسغ كون كرات لحم الضأن في الجوشتابا مطهوة في صلصة مرق اللحم المغطاة باللبن المتخثر. بدا لها خلط لحم الضأن مع اللبن المتخثر أمرًا مثيرًا للغثيان.

كانت على وشك إعلان انتهائها من الأكل مع تقديم الجوشتابا، إلا أن ظيا همس لها بأن رفضها الأكل من الجوشتابا يُعد إهانة تجرح مشاعر من قام بإعداد الوازوان. فضغطت على نفسها وأكملت تناول الطعام من دون رغبة حقيقية.

ربما كان ظيا سيصبر على سلمى لو اقتصرت المسألة على برودها معه في السنة الأخيرة من عمر زواجها، لكن ما عجّل بنهاية علاقتهما هو عدوانيتها الشديدة تجاهه، رفضها لأى كلمة يقولها، تمسكها بأوهامها، وتصديقها لها أكثر من الحقائق نفسها.

كان من الطبيعى بالنسبة لها أن تحاسبه حتى على أحلامها، إذا حلمت بأنه يخونها مع أخرى، تقضى الصباح في استجوابه، والتشكيك في إخلاصه لها. وينتهي الأمر ببكاء هستيرى أصبح لا يطيقه، ولا يفهمه.

وعلى الرغم من انفصالهما قبل عودته نهائيا إلى مانشستر، أخفت سلمى خبر الانفصال عن والدتها وعمتها، أخبرت الجميع أنهما يمران فقط ببعض المشاكل، وأنها سوف تلحق به في أقرب فرصة.

وهي في بيت أبيها منغمسة فيما اعتبرته رواية تكتبها، حلمت به ذات ليلة، كان يصلى في صالة البيت، على الرغم من أنه لا يصلى في الحقيقة. كان الحلم مغلفًا بروائح البهارات التي اعتاد أن يستخدمها في الطهي، وكانت تشعر براحة عجيبة، تشبه تلك الراحة التي كانت تحسها في بداية علاقتهما. وفجأة بدأ وجهه يتبدل ليحل محله وجه خالها مصطفي. في لحظة يكون الشخص المصلى هو ظيا، وفي التي تليها يصير مصطفي.

حكت سلمى لعمتها نظلة حلمها مع إغفال التفصيلة الأخيرة، فأخبرتها عمتها أن ظيا سوف يعود لها قريبا، وسوف يعيشان معًا حياة مستقرة. فصلاته في بيت أبيها تشير إلى هذا. تذكرت سلمى تفصيلة تحوله إلى خالها مصطفي في نهاية الحلم، فأخبرت عمتها بها. قطبت نظله حاجبيها، وأخبرت سلمى بحزن أن هذا التحول يعكس معنى الحلم تماما. لأن"الخال" في الحلم ينبع من "التخلى"، وهذا معناه أن ظيا سيتخلى عنها.

..................................................................

تصدر قريبا عن دار العين