designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Wednesday, January 10, 2007

اليوم الثاني و العشرون--الفصل الثالث




يقع منزل مدام " هاجوبيان" في شارع " عدلي"، بجوار ذلك المبنى الغريب الذي تعتلي سطحه نجمة سداسية ميزت علم الأعداء، و كانت مصدرًا لتوجسي لوجودها منحوتة قسيمة في قلب القاهرة. أعبر من أمام " البوكس" الراقد أمام الرصيف وأرمق الضابط الجالس هناك والنجوم تلمع على كتفيه. ابتسم لي من وراء نظارته " الري بان " قليلًا..

تتكلم مدام هاجوبيان عربية مكسرة، زادت من وقار طبعها المفترض كونه أوروبيًا، من حيث الملامح على الأقل، ولكني كنت أحس دائمًا في أعماقها بروح شرقية مؤصلة، ربما زادتها تلك الصرامة العصبية الثرثارة التي تتملكها أحيانًا. كنت أصعد إلى الطابق الثالث في تمام الساعة الواحدة عصرًا، لأدق الجرس في احترام كما يليق بأي طالب في السنة الثانية الإعدادية. تفتح الباب الخشبي العتيق ذا الضفتين بتؤدة. أدلف إلى الداخل فتأخذ زمامي رائحة عبق مميز، ربما كان مزيجًا من الرطوبة وتراب السجاجيد والباركيه والقماش القديم، وربما كانت رائحة روح المدام نفسها.

أجلس إلى البيانو بشعري المفروق من الجانب الأيسر بعناية مهندس لأتلقى التعليمات المحددة للعزف. الويل كل الويل إن أخطأت. تذكرت أيام الكونسرفتوار، عندما كنت في حوالي التاسعة من العمر. كنت أصاب بالذعر من إصبع المشرف الهائمة التي يمكن أن تشـير إليّ قائلة :

- أنت. تعال إلى هنا واعزف المقطوعة المكتوبة على السبورة.

مع ذلك، كنت أحب الذهاب إلى " الكونسرفتوار" من أجل بنت شقراء سوداء العينين. كانت تأتي مع أمها دائمًا. كانت تبتسم لي وابتسم لها. في يوم، عندما فشلت في الاختبار الجهنمي، دخلت مقطبة إلى حيث قمطرها، ولكنها قالت من وسط عبوسها، عندما رأت عبوسي:

- لا تزعل...

يأتي دائما فريدي ليجلس على الكرسي القطيفي إلى جواري.

يمدد جسده اللين المدهون بالأسود على خلفية بيضاء ويظل يداعب الهواء بذيله ذي الشعر الكثيف المنقوش. أحببت في فريدي بقعة السواد فوق عينه اليسرى وولعه المؤرق باللعب.

- همم .. من أجل ذلك تحب القطط.

قالتها لي وأنا أرمق فرعون الراقد على فخذيها في دعة، ومن أجل توضيح مقصد نظراتي بشكل مباشر تنحنحت وقلت لها إنني متعجب من سلوك فرعون إزاءها. كان قطي الأسود قطًا في غاية الذعر, ودائمًا ما كنت أحسبه النسخة الأكثر وضوحا من صاحبه. كان يهرع دائمًا إلى ثنايا الشقة إذا ما اشتم رائحة غريب، ولكنه معها هي، وهي بالذات، كان أليفًا .. وديعًا .. كقط..

بدا لي أن ابتسامتها حملت ذرة من خبث الأنثى وهي تستمع إلى كلماتي. وشعرت أنها ستقول في هدوء صارم– كالأفلام:

- لا.. لقد كنت تنظر إلى فخذيّ.

ولكنها لم تفعلها.

ازدانت جدران منزل المدام بالعديد من الصور الفوتوجرافية الأبيض في الأسود. ولكنها لم تكن ذات الصور التي ألفتها في منزلي لأجدادي وأقاربهم الراحلين، أو الباقين ممن كبروا عن تلك الهيئة الناظرة إلى العدسة في براءة مشوبة بخيلاء أبله على الأرجح. كان زوج المدام الخواجة هاجوبيان من المصورين المشهورين قديمًا، وكان يتسابق نجوم عصره على فرصة بورتريه أنيق لهم ممهور بتوقيعه. أحب الخواجة مصر ولم يفارقها حتى مماته، الذي حدث قبل سنوات من أول درس لي عندها، لكن أبي تفنن في وصفه لي في لحظات الصفاء. أبي يحبه ويحب طريقته البوهيمية في عيش الحياة، والتي يبدو أنها كانت مصدر إلهامه الأقوى. صورته في شبابه قبعت أمام عينيّ الصغيرتين فوق البيانو مباشرة. نظرته حادة ومقتحمة وابتسامته يسيرة لا تكاد ترى. عينان تليقان بمصور أو بعاشق مخضرم. ضحك أبي يومًا–عندما كبرت– وقال إن صرامة المدام التي كنت أشكو منها، و مازلت أتذكرها، لم تمنع الخواجة ذا العينين الحادتين من عادته الأثيرة: النساء. بل، ربما، كانت حافزًا قويًا للاستمرار في طريق الحرير.

تحكي لي المدام قصة زوجها المرة بعد الأخرى. قد تضيف إليها وقد تحذف منها في أوقات، ولكن الشيء الوحيد المؤكد هو عشقها له، أكثر من الموسيقى ذاتها. لم يترك لها سوى صور جمدت نظرته وملامحه المستقيمة الوسيمة، أو صور حملت موهبته و بصمة عينيه. هاجر ولديْها يوسف و كلارا إلى كندا منذ أمد طويل. هاجرا مثل عمي الذي يصر على أن أهاجر مثله في كل مكالمة بيننا. البداية كانت بيوسف ثم جاء من أقارب زوجته الكندية من تزوج كلارا وأخذها معه. كانت المدام عندما أجيد في عزف مقطوعة–أو عندما تصلها أخبار جيدة–تربت على رأسي وتقول لي أحد شيئين: إما أني أشبه يوسف في طفولته، و إما أنني أكثر ليونة وطاعة من أبي.

أريتها عمارة المدام، ونحن نعبر بجوار مطعم جاد على الناصية الأخرى. أشارتْ إلى عمق الممر على يسارنا وقالت إنها زبونة لمحل التصوير الواقع بداخله. اقترحتُ عليها أن نرجع خطوات قليلة إلى الوراء لنشرب شيئًا في لاتشيزا فوافقت.

- أبي تخصص في عزف البيانو، وصار هذا مصدر دخله.

قلتها عندما سألتني عن سبب كوني عازفًا. داعبتْ ذقن فرعون الذي استرخى أكثر منتشيًا. لم يقتنع الشاب المتمرد–الذي كان أبي–بجدوى التعليم، فتفرغ بعد إتمام دراسته الثانوية للعزف. شخصيته المستقلة منعت جدي من الاعتراض. وعلى العموم كان أبي أصغر الابنين، ووضح أن الابن الأكبر قد أرضي شبق الجد إلى حياة لم يعشها، فاستغل أبي أقصى درجات التدليل–ممتزجًا بعناده–وأصر على العمل بداية من درك شارع الهرم، إلى أفخر الفنادق التي يعزف بها حاليًا. ترى ولعه بالبيانو عندما يقف أمام المرآة قبل الذهاب إلى نوبته أو إلى حفلة عارضة، فتجده يسوي حلته في أناقة، ويُعدل المنديل المربوط حول رقبته بعناية أقرب إلى الهستيرية. يرش العطر الغالي على صدغيه و وراء أذنه. يعتدل ويمسك بحقيبته، ويخطو إلى الخارج في ثقة. يمكنني أن ألحظ نظرته المفتتنة إلى لمعان حذائه الأسود وهو يمر من أمام عيني. يتزين كعريس ذاهب إلى عقد قرانه، إن البيانو لا يجوز أن تعزف عليه إلا بكامل أناقتك، التي تعكس احترامك للموسيقى. تمامًا عندما لا يجوز أن تقرأ كتابًا في سرير.

- أبي لم يكن رسامًا. هو طبيب.

بالفعل كان الصورة المثلى لطبيب. صافحني بيد مستقيمة ثابتة، ابتسامته كانت دبلوماسية باردة من النوع الذي يمكنك تمييزه في المؤتمرات. حيانا ومضى بسرعة من يقدر أن الوقت من ذهب. أحضرت لي أمها فنجان نيسكافيه–لم أذق أبشع منه في حياتي–فشربته شاكرًا. جلستْ مبتسمة وحَدّثتني عن طفولة مها، وكيف كانت كالصبيان تمامًا. تضرب وتلعب الكرة وتتكلم كواحد من أولاد الشارع الراقد أمام البيت. مرت بنا وهي تبتسم في نوع من الحرج.

وعندما جلسنا في مرسمها الذي كان شقتها فحسب. حَدّثتني عن الكلية. كانت بشعة. حسبت بشاعة السنة الإعدادية أمرًا يعود إلى عدم اعتيادها على الكلية، أو أنه عَرض طارئ وسيزول، ولكنه استمر.

اعتدلت فوق كرسي الكافية وقلت لها:

- سؤال لم أسأله في المرة السابقة: لِمَ استمررت في الكلية؟!

- لا أعرف....

ردت ببساطة وهي ترشف الشاي، حاملة الفنجان بكلتا يديها.

مشيتُ الشارع الطويل خارجًا إلى الميدان. أصدقاؤها الباقون رحلوا في سيارتين. تعللتُ أنا بحاجتي إلى المشي. رحلة الميكروباص إلى رمسيس في هذا الوقت، قرب منتصف الليل، تمثل لي إلهامًا دائمًا. أقبع بجوار الشباك في آخر أريكة وأفتح الشباك بجواري وإن كنت في عز ديسمبر. أحيانا ما تُصفع بمطالبات حثيثة بغلق الشباك، أو غلقه ببساطة دونما كلمة واحدة. على كل الأوجه تحرم من متعة طيرانك عكس الريح العاتية، التي تبقيك في ثوان عاجزًا عن التنفس، والجـدار الحجري المبرقش قرب غمرة يعطي عينيك مذاقًا خاصًا. عقلك يعمل في ابـتسامتها ونظراتها. يبدو لك هذا ضربًا من الجنون.

خرجتُ من الحمام. وجدت المنضدة مهجورة. ورقة خُط عليها بتعجل أنها ذهـبت لتصـطحب نشوى من عند أحد أصدقائها، و وريقات مالية تحت المطفأة المليئة بسجائرنا.

..................................................................................

من رواية اليوم الثاني و العشرون: تصدر قريبا.



3 comments:

nooon said...

Although I'm lost, this is captivating

Muhammad Aladdin said...

نون
شكرا
:)

Yehya Salem said...

حلو اوي بس تهت برضه
يقطع الحداثة و سنينها و ما بعد سنينها كمان :)

الف مبروك يا فندم على الرواية الجديدة