designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Tuesday, November 21, 2006

اليوم الثاني و العشرون--الفصل الثاني



أصابع البيانو يُمكنها منحك وصفًا مخاتلًا للحياة. أصابع بيضاء وأخرى سوداء. تلك الأخيرة غليظة ثقيلة كوجه الشر، وهذه الأولى خفيفة رشيقة كابتسامة الخير. الأصابع السوداء قليلة إلى مَثيلتِها البيضاء في حكمة توراتية هي أن الخير أوفر من الشر.

الوقت المحدود للراحة يمنحك فرصة التمعن في تلك الأصابع؛ لأن العين تكون مشغولة في وقت العمل بنقل النوتة المنمقة إلى عَقلك، الذي يترجمها إلى فقرات حثيثة متتابعة على السطح الأملس البارد للبيانو. "عملية إعادة تكوين للجهاز العصبي" كما قالت لي مدام هاجوبيان العجوز.

- أتعزف البيانو أيضًا ؟!

سألتني في تعجُب فرددتُ أن نعم. المسألة مسألة عمل وليست فنًا بالمرة. أجبرني والدي على تلقي دروس المعاناة شبه اليومية في الكونسرفتوار. مازلتُ أذكر تلك الصباحات التي كانت تحرمني من رائحة عشب النادي التي اشتقت إليها كثيرًا.

شرِبتْ الشاي ورمقتني بنظرة نفَّاذة، تعلو وجوهنا عادة عندما نكون أقل حصافة في التعبير عن شعورنا بملل الانقياد إلى لُعبة التواضُعِ المعروفة. حاولتُ الابتسام وأنا أشرح لها–في منحَى بدا لي دفاعيًا–مشقة أن تكون عازفًا للبيانو. لقد وصلت إلى السنة الثانية الثانوية قبل أن أتمكن من الاستقلال عن حياة الدروس والدروس المُعادة.

عَرضتُ عليها المزيد من الشاي. رَفضَتْ ولكنني أصررت. ناديت فوزية لتحضر لها بعضًا من العصير إذن. لم تمانِع كثيرًا. تأملتْ غرفتي المليئة بالملصقات ثم سَألتني لِمَ لَم ترَ ملصقًا لرمزي يسي. ضَحِكتُ حقًا هذه المرة ولم أُعلق. التفتتْ إليّ وأكملت في حرارة أنها لم تستغرب في الحجرة شيئًا غير هذا البيانو القديم، باعتباري شابًا عاديًا. ولكنها الآن تستغرب أن حجرتي هي حجرة شاب عادي، ماعدا البيانو.

- صدقيني، أنا لا أحبه إلى هذه الدرجة.

لملمْتُ نوتي، وضعتها في عناية داخل الحقيبة السوداء. تأهبتُ للخطو سريعًا إلى باب القاعة لولا تلك اليد الشقراء التي ارتفعت لي بإشارة تحية. توقفتُ قليلًا مُدققا في ملامح الوجه القوقازية، قد يكون زبونًا شاهدتهُ في ليلة سابقة أو في فندق آخر. لم أنجح في التعرف إليه، ابتسمتُ في ترحيب رادًا الإشارة بمثلِها بهدوء يحمل ذات الحرارة بطريقتي الخاصة. أتبع تحِيته بإشارة لاستدعائي، واتسعت ابتسامته قليلًا.

مشيتُ معها في شوارع أحفظها عن ظهر ووجه، وباطن، وجانب قلب. دروب امتصت من طفولتي ولكنها منحتني أيامًا تبدو على الدوام زاهية.

كانت تنظرُ لي وعلى وجهِها ابتسامتها المعتادة، أحببتُ حماستي الحمقاء في وصف الأماكن وذكرياتي بها في دقة مُرشد سياحي. كشك عم عباس الراقد على بعد قليل من ناصية أحببتها كما أحب نفسي. كنت ألتقي هنا بأصدقاء وصديقات العمر خارجين من مدرستهم ليجدوني واقفا أدخن السجائر"الفرط" متأملًا بنات الجامعة الأمريكية في وله لم يُغادرني حتى الآن. آلاف من النهود والمؤخرات والوجوه لم يتغير أبدًا إلى يومي هذا، وكأن المكان استحال معملًا كبيرًا للاستنساخ لم يفقد ذائقته لحظة واحدة. حييتُ الرجُل الطيب و اشتريت علبتين من السجائر المارلبورو، أعطيتها الخفيفة منها واحتفظت أنا بالثقيلة. أخبرتها أنني أقلعت عن تدخين المارلبورو الأحمر إلا في المصائب ولكنني أدخنها الآن بشكل مُنتظِم. دخانها الثقِيل يخرج معه أطنانًا من التوتر والرغبة المكبوتة في الخنق والتمزيق والتنكيل، ويجعلك كائنًا متضايقًا فحسب. الشارع يمتد إلى ميدان التحرير الذي شهد حجيجًا يوميًا إلى الأماكن ذاتها. تعودْتُ أن أجلس أنا و محسن على مطلع المترو من ناحية شارع طلعت حرب مساءً وحتى الفجر أحيانًا. الأمر ازداد متعة الآن بافتتاح الفرع الجديد من كنتاكي مُذ عام أو أكثر قليلًا فصار مزارًا مقدسا للأحباء والساقطات والشواذ.

لون العين أزرق. لون الشعر أصفر. لون الجلد أشقر. نموذج نمطي للقوقازي الخارق، ربما زادت على الصورة– وزادتها إقناعًا–تلك الشُعيرات الذهبية الكثيفة التي كست ظهر ذراعيه المُشمر عنهما كُمَّ قميصه الأبيض. منظاره الذهبي منحني شعورًا بعبث التكرار.

- كنت تعزف بشكل ممتاز.

- شكرًا.

- اسمي باتريك.

أخبَرته باسمى الذي أُصر على موسيقيته. سألني أن أشرب قليلًا من "الجن" الذي يحبه. لم أمانع في كأس واحدة. وضعه النادل أمامي في ابتسامة تواطؤ، باعتبارنا من العاملين في ذات الكازينو.

ذكرَتني ابتسامته بأفلام كباريهات الخمسينيات والستينيات، وأنني أنا العاهرة الرخيصة–إن كنت كومبارسًا، أو الغانية بعيدة المنال إن كنت بطلة الفيلم، فابتسمتُ له في سخرية حسبها من الأوروبي القابع أمامي، فزاد رُكن ابتسامته قليلًا، في مزيد من التواطؤ ضد الشقر الأغبياء، بل ربما الكفرة.

شارع سليمان باشا جميل دومًا. قلتها لها وأنا أتأمل قبة النادي الدبلوماسي، التي تقترب مني حثيثًا على الجهة اليسرى. بعد أمتار ليست بالهائلة ستكون سينما راديو هنالك، ومحل قويدر للحلويات. دائمًا ما تخيلتُ نزهة مثالية تبدأ بالسينما وتمر بالحلواني. ولكن الحقيقة كانت في أني أذهب دومًا إلى سينما أوديون، وأمر ببائع الكبدة و عربته وزجاجات سباتس أمامها.

- هل تشعر بالسعادة وأنت تعزف الموسيقى؟!

سألني وفي عينيه لمعَة تلمظ واضحة إلى إجابة رومانسية. قلت بصورة أردتها عفوية

- طبعًا.

لمْ أخبره أنني عاجز عن تأليف الموسيقى.

- أنت تهزل..

نظرتْ إليّ مستنكرة، قامت من على طرف السرير وسحبت كرسيًّا وجلستْ بجواري أمام البيانو. أمسكت بأصابعي وهَتفتْ:

- أتقول لي إن هذه الأصابع لا يمكنها الإتيان بشيء يخصها؟

حركتْ أصابعها مع أصابعي في حركات عشوائية، ابتسامتها الصافية اتسعت أكثر. هتفت أن "اعزف... اعزِف". كشيطانة صغيرة عابثة قالت "هيا" وعلي وجهها تعبير مجنون أحببته. بدأت أنقر على البيانو قليلًا.

- سأسميها مها... إن أتممتها..

ابتسمت أكثر وهي تنظر إليّ. عيناها حملت إعجابًا حدثتُ نفسي طويلًا ألا أصدقه. قامت وحملتْ حقيبتها قائلة:

- لا أصدق أنني في ثاني زيارة لبيتك أشعر أنه مكاني المعتاد.

قمت بعد قليل من الثرثرة، سلمت على باتريك الأشقر الذي صافحني في مودة، قبل أن أمضي سألني:

- أيمكنني تعلم العزف جيدا في سني هذه؟!

أجبته بأن الأمر أصعب بالطبع من التعلم صغيرًا. سألني في شبه توسل:

- ولكن يمكنني هذا.. أليس كذلك؟!

- بلى... يمكنك.

مشيتُ بحذاء النيل والليل قد قارب الانتصاف، فككتُ رابطة عنقي وفتحتُ الزر الأول. استندت إلى السور ورمقت المياه التي تعبر أمام عينيّ في رفق عاكسة أضواء القاهرة بتموج ناعم. يريد تعلم البيانو وأنا أريد أن أنساه. ألقيتُ سيجارة إلى النهر وابتسمت. هو لم يقابل مدام هاجوبيان.

سألتني وهي تلعق الآيس كريم، ونحن واقفان عند " قويدر"، عن سبب تسميتي للقط بـفرعون. قلت إنه شديد السواد مثل قطط الفراعنة.

...........................................................................


رواية تصدر قريبا عن دار ميريت للنشر

8 comments:

راندة الشافعى said...

انا فخورة جدا يا علاء لأن انا اول واحدة كان معها المسودة بتاعت اليوم الثانى و العشرين وعلي فكرة الرواية جميلة جدا وانا حاسة فيها بكل الابطال ربنا يوفقك

Anonymous said...

Chapeau!!

Muhammad Aladdin said...

رتدة هانم
يا دكتور انا اللي ليا الفخر كله، و اشكرك علي اللفتة الجميلة دي
:)

المجهول
اخجلتم تواضعنا
:)

Anonymous said...

هايل.. كتابة حلوة بجد.. وsorry bgad

Muhammad Aladdin said...

المجهول
متشكر و ربنا يخليك.. بس الاسف علي ايه؟؟

Anonymous said...

حلوة يا علاء معجب من ايام مجانين

Muhammad Aladdin said...

اجدع ناس
:)

متشكر و ربنا يخليك

Dananeer said...

محمد انا رحت سألت عليها فى ميريت قلولى مش موجوده
و الاقيها فى دار عين؟؟؟