designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Tuesday, September 04, 2007

..مقتطف


غرفة الأب متشحة دومًا بسكون حذر. دائرة كاملة من الوسائد العتيقة حول المبخرة الكبيرة الموشّاة بزخارف غريبة. يحتفظ الأب -بالطبع- بمكان الصدارة في مواجهة الباب. وسادته الوثيرة ذات اللون الأرجواني المغبر تعلو قليلاً عن أخواتها في إعلان حقيقي للسيادة. الغرفة مغلقة الخصاص دائمًا عن تلك الشرفة الخرسانية الرخيصة التي تطل على زخم الحارة التي ضاقت بأرواحها الهائمة. تسبح الغرفة ليلاً ونهارًا في نور مصباح كهربي رخيص نوره أقرب إلى الظلمة، وعند بدء الجلسات التي وهب الأب لها سِنِي حياته العجوز تُشعَل شموعٌ سبعٌ من حول الدائرة. كل شمعة لها حامل مزخرف مثلما هي المبخرة العملاقة. لم يشاهد هو ذلك يومًا، ولكنه يعرفه.

يتحرك بتؤدة ماسحًا أرض الغرفة بالمقشّة. يطارد التراب المستقر في هدوء مستفز فوق الأثاث. يجيل عينيه في الغرفة. هي نسخة مكرورة من كل غرفة كانت للوالد يومًا. تذكّر أيامًا ليست بالبعيدة جدًّا. الترحال الدائم. وجوه أكثر من أن تحصى. شوارع مغبرة. سيدات يتحرقن شوقًا إلى تقديم المعونة. كلاب يخافهم ويقول أبوه إنهم يخافونه أيضًا. في كل مدينة كانت غرفة. وفي كل غرفة كانت مبخرة ووسائد وشموع. في كل غرفة كان هذا الصنم. صنم غريب لشكل لا يستطيع أن يحدده. يمسحه بالقطعة القماشية في خوف. تهتز يداه ولكنه يتمالك نفسه. يسند الصنم إلى منضدته ويواصل المسح ببطء حريص.

ينظر إليه. هُيّئ له رؤية عين. عين محفورة في هذا الصنم. رأي لمعة بغيضة ترقد في أقاصي تلك العين. غمره ذلك الشعور بالكراهية. الخوف والكراهية.

حمله أبوه ليواجه المرآة. ابتسم ونظر إلى وجهه وقال أن انظر. همس له ماذا يا أبت؟ قال له أنظر عينيك. إنهما عيناي. ذات العينين اللوزيتين. بالأمس كان لي شعرك الأسود الفاحم. يبتسم له أبوه وهو لم يملك غير أن يبتسم. الصنم مثل كل هؤلاء يا بني. يقول له أبوه إنه قد ورثه عن أبيه. وإنه ولا بد وأن يورثه لابنه. وابنه ولا بد أن يورث أحفاده. مثلما كانت العينان ولون الشعر وتفاصيل الدم وصدق الحدس. يبتسم أبوه.

هو لا يريد هذا الصنم. لا يريده.

نظر في العين الشريرة مرة أخرى. خُيّل إليه أنه يرى فمًا. الفم يبتسم. ابتسامته شريرة مقيتة. ابتسامة لذئب قبل انقضاضه.

يعلم هو أنه لن يكسره. لن يلقيه إلى الأرض ليتمزق ألف قطعة. سيورّثه بكراهية إلى ابن يحفظه بكراهية. لا يستطيع هو أن يكسره. يبتسم الفم. تصرخ عيناه.

...............................................................

من الصنم—رواية—يناير 2009.

لمقتطف أخر رجاء الضغط هنا.

3 comments:

Anonymous said...

حلوااا
يا ريت تكمل اسرع من 2010
يديك طولة العمر

إسلام أمين said...

متشوق جدا لشراء الرواية
:D

Incomplete said...

جميلة قوي
حبيتها يمكن أكتر من اليوم الثاني والعشرين