designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Tuesday, September 04, 2007

..مشهد




افان تيتر1—المقابر—نهار خارجي

- عائلة عبد المجيد عزام تقف في حزن أمام المدفن الفخم. السماء بيضاء و الجو صاف و الأرض ترابية مغبرة. تقف امرأته ليلي عثمان وسط نساء العائلة. هي أنيقة مثلهن، و لكن ذلك المنظار الشمسي الأسود، الذي يستقر علي وجنتيها البارزتين، و فمها ذو الشفاه الرفيعة المطبقة بحزم، و الدانتيل الأسود الشفاف الذي يستقر فوق شعرها الأسود المصبوغ منحوها هيئة المرأة الحازمة لا الحزينة، خاصة مع تلك الالتفاتات الوئيدة البطيئة، النظرة الفاحصة المدققة من عينيها العسليتين من وراء المنظار. تدرك هي قوتها و يدرك الباقون ذلك، لا يبدو أن تخطيها سن الخمسين قد أضاف إليها ميراث يأس نسائي بقدر ما زاد سطوتها بتجربة سنين ملئها الاعتداد. تقف معها امرأة ابنها يوسف و بعض النساء علي بعد محسوب منها.. بجوارها و لسن بجوارها. يبدو عليهن الحزم و تبدو الدموع في عيني سلوى امرأة يوسف و لكن ليلي وقفت منتصبة كتمثال مرمري لا يبدو أن الزمن سيلقي عليه بظلاله. يخرج الابن، يوسف، شاب وسيم في منتصف العشرينات. له عنين واسعتين و جسد رياضي. يبدو كصورة بشرية من الفهد في خفة حركته و حلته السوداء، التي تغبرت قليلًا من تراب القبر، تستقر عليه و كأنها جلده. يخرج معه رجب الفيومي، الذراع الأيمن لأبيه الراحل بتلك الجهامة التي تلقيها هيئته الجسدية و وجهه الأسمر الصارم. يحرج وسف كولي لعهد تلك المملكة التي بناها عبد المجيد عزام بالدماء و الخوف و الدموع. يجيد يوسف التعبير عن تلك القوة و لكن بنزق يظهر في العنف البسيط في حركاته. يبدو مفعمًا بالقوة و الشباب و في عينيه ترقد عدوانية حيوان مفترس. يخرج إلى أمه التي تشير بذقنها بتؤدة و بطء في اتجاه ما. ينظر يوسف إلي ما تشير إليه أمه.

- من بين أجساد الرجال ذوي الحلل السوداء و الأجسام المنتفخة و الرؤوس الحليقة نري مصطفي منتصبًا. منظار شمسي لا هو بالغال و لا هو بالرخيص، مثل ملابسه ذاته: الحلة السوداء و القميص الأبيض بلا رباطة عنق. بلي، ملابسه ليست بالغالية و لا هي بالرخيصة و لكنها كانت تناسبه. يوجد أنواع من البشر يمكنهم ارتداء أي شيء فيظهرهم علي ما عداهم. يبدو مصطفي وسيما، في أواخر العشرينات، يميل إلي الطول و جسده معتدل رشيق. لا تعكس ملامحه سوي الجمود الذي يعكسه الرجال حينما يحزنون بشدة، و حينما يمتلكون تلك القدرة علي ضبط أعصابهم كما يوصيهم من ربوهم. ينتصب مصطفي وراء الرجال كتمثال، يضع راحته اليمني المفرودة فوق أختها علي نهاية بطنه. يمط شفتيه قليلًا.

- يتقدم إليه يوسف بخطوات واسعة شرسة. ينحي اثنين من الرجال عن طريقه. نكاد ان نجزم انه سوف يهجم علي مصطفي و لكنه يتوقف قبل مسافة غير قليلة منه. يهتف

يوسف

ايه اللي جابك هنا؟؟!

- يصمت مصطفي قليلًا. يمكننا رؤية الرجلين المنتصبين كل أمام الأخر و كأنهما في احدي مبارزات السيوف في العصور القديمة، فقط قبل لحظة من نزع السيوف عن غمدها الآمن و الاشتباك. ريح تمر حامل كيسًا بلاستيكيا بينهما. يسود الصمت بينما نظر رجال و سيدات العائلة وراءهم إلي ما يحدث. تتردد النسوة ما بين الخوف و الترقب، و الرجال ما بين التحفز و التعامي، بينما تأهب حراس العائلة للأسوأ. وحدها ليلي جمدت ناظرة إلي ما يحدث و شعور واحد يأكلها. الكراهية. يقول مصطفي في نبرات متزنة.

مصطفي

جاي اودع ابويا يا يوسف

يوسف

لا هو ابوك و لا انت اخويا.. و اتفضل امشي من هنا..

- ينظر مصطفي إلي أسفل للحظة، ثم يعود بنظره إلي يوسف المتحفز، يقول ببطء

مصطفي

مش كلامك اللي بيحدد يا يوسف..

يوسف

امال ايه اللي بيحدد؟؟ كلامك انت؟

- يصمت مصطفي للحظة، ثم يرد بهدوء.

مصطفي

الدم يا يوسف.. الدم..

- يحدق مصطفي إلي وجه أخيه الأصغر بنظرات ثابتة. كذلك يفعل يوسف ناظرًا إليه. لا يمكننا تخيل نظرة حاقدة، شرسة، كريهة أكثر من تلك النظرة التي يلفح بها أخيه الأكبر. تتوتر عضلات وجهه و جسده، بينما تسكن عضلات مصطفي و هو ما يزال علي وضعيته. هنا يتعالي صوت ليلي الآمر.

ص- ليلي

يوسف.. يالا بينا من هنا..

- يرميه يوسف بنظرة أخيرة، يلحق بالركب الذي تحرك بكلمة واحدة من ليلي. يتوقف المقرئ الذي جاء خصيصًا ناظرًا إليهم في دهشة ما ممزوجة برهبة، كذلك صمت الأولاد الصغار المتسخين الذين دوما ما يتوددون بطلب الشحاذة من أهالي الموتى مستغلين الحدث الذي يفكر الناس بالآخرة قبل الدنيا، و كأن عائلة عبد المجيد عزام تجيد صنع مثل هذا النوع من التوتر و الخوف و الرهبة من حولها أبدًا، و كأنها تنجح في إقناع من يراها بأنها مؤسسة لا تعرف إلا الدنيا ببطشها و قوتها.

- ما يزال مصطفي واقفًا في مكانه. عربات العائلة الفاخرة محاطة بعربات الحراس ذوات الجر الرباعي تتحرك مثيرة للغبار، كلبين يمرا من ورائه و يبدو عليهما البؤس. المقرئ و الصغار ينظرون إليه صامتين. يطرق مصطفي إلي الأرض صامتًا، دون أن ينبس ببنت شفة.

- تلاشي بطئ-

-إظلام-

- تيترات-

2 comments:

Nostalgia said...

رائع يا محمد
عجبني اوي بجد ..

** ** ** **
احم مش عارف أنا هقول الكلام دا لمحمد علاء الدين إزاي أصلاً .. بس حاول يا محمد متكونش الحاجة الي بتعملها زي أي حاجة في الدنيا ..

وانت ماشاء الله غير اي حد قريت له قبل كدا .. حاول تستمر على الخط دا ..

مش عارف إذا كنت تقبل الكلام دا من واحد بيقول يا هادي بس انا قلت أقول وأجري على الله ..

ربنا معاك

إسلام أمين said...

بجد نفسي أشوف المشهد ده في السينما قريب