designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Sunday, September 10, 2006

.. إنجيل آدم 2


ده مقال للروائي إبراهيم فرغلي عن إنجيل آدم، مقال بديع و جميل و اشكر السيد إبراهيم عليه جدًا. منشور بتاريخ 22 يوليو 2006 في جريدة النهار اللبنانية المعروفة.. و بما اني نشرت رأي ميشيل حنا في الرواية قبل كده، فمحصليش أي نوع من الحرج--صراحة--أني انشر مقال السيد إبراهيم هنا
..........................................

"إنجيل آدم" لمحمد علاء الدين
شياطين الكتابة والحياة

القاهرة...
تفتح كلمة "لو" عمل الشيطان، وهي في الكتابة الأدبية تفتح الأبواب لشياطين الخيال وافتراضات المصائر المفتوحة على اتساع الحياة. او على الأقل هذا ما يثبته الكاتب محمد علاء الدين بما أطلقه منها بلا رادع في روايته "إنجيل آدم" الصادرة حديثا لدى "دار ميريت للنشر".
خلال قراءة هذا العمل، كانت جملة شعرية من ديوان "كرحم غابة" للشاعر خالد بكر، تطاردني بإلحاح وفيها يقول إن "الجحيم غرف من المرايا"، وهو ما اختبره محمد علاء الدين في روايته هذه بامتياز. كل الشخصيات التي يقدمها النص هي شخصيات مستوحاة من ذهن الراوي نفسه، أي أنه يستبدل ذاته بذوات أخرى، في اختبار مختلف للفردية التي أصبحت سمة النص الحداثي عموما والشخصية المعاصرة معا.
يبدأ العمل من "عين الشمس التي تنظر نظرة ثاقبة إلى الشارع، تنهمر سياطها على رؤوس المارة وظهورهم"، وبينهم الراوي المتسكع في ميدان التحرير في وسط القاهرة يراقب فتاة ذات صدر بارز ومؤخرة بلدية لينة، وهو يتخيل ما يمكن أن تكونه. تبدأ جحيم الاحتمالات بجملة فارقة: "لو كنت شخصا آخر لفهمت الإشارة"، ثم تكون بعدها كل الاحتمالات واردة، من شخصية راوٍ نكاد لا نعرف شيئا عنه، وبدلا من أن يكشف عن نفسه إذ به يراوغنا متلبساً شخصيات عدة ندخل بها إلى متواليات لا منتهية من المصائر التي تمثل ما يمكن أن تكون عليه شخصية الراوي الشاب او تلك الفتاة.
من شاب لا يملك نقودا، او يملك النقود وبالتالي المكان الذي يهيئ فرصة مناسبة لمضاجعة الفتاة، بافتراض أنها عاهرة، ومن مكان متخيل، يتوهم الراوي نفسه فنانا بوهيميا قاسيا، قبل أن يستسلم لافتراض أنه فنان تشكيلي مرهف الحس. ومع كل شخصية يختلف سيناريو الحب مع الفتاة، وتستمر التخيلات والافتراضات تتدافع بعضها خلف البعض الآخر، على امتداد العمل المكتوب بنفس واحد من اوله إلى آخره.
تختلف الشخصيات، وكذلك تركيبتها النفسية والاجتماعية، من ابن مدلل لتاجر غني، إلى ميكانيكي سيارات أصلع بشع، او من ضابط شرطة متحذلق إلى وزير داخلية إلى ابن الوزير، ثم الى قاتل تنفتح أمامه احتمالات الوسيلة التي سيستخدمها أيضا إلى حدودها القصوى، وغيرها من المتواليات. في حين أن الفتاة تتقمص شخصيات عدة بشكل يشعر القارئ أنه دخل دائرة يدور فيها حول نفسه، ومن حوله تدور كل هذه الشخصيات او الافتراضات.
كتابة افتراضية او احتمالية بقدر ما تعكس نقلة نوعية وتجريبية في النص السردي المعاصر في مصر، لكنها أيضا تبدو كأنها تقدم نقدا لاوضاع اجتماعية عدة وترصد المتناقضات والتشوش الذي يمر به المجتمع وحالة السيولة التي تجعل كل الافتراضات واردة بلا يقين حقيقي من أي نوع. كما تؤكد الطابع المادي للشخصية المصرية المعاصرة، والتشوهات التي لحقت بها، لكن هذا كله يتم بأعلى درجة من الفنية، بلا مباشرة وبدون استخدام الكليشيهات.
يتأكد هذا في النصف الثاني من النص الذي يبتعد تدريجيا عن الشخصيات النمطية، مختبرا أنماطا من المثليين والسحاقيات، وصولاً إلى شبهة عشق المحارم، لتبدأ مرحلة من الأسئلة الوجودية تطرحها الشخصيات، قبل أن تتغير نبرتها متخذةً بعدا تاريخيا يبدأ من أمنية تلح على ذهن الراوي بين آن وآخر في أن يصبح راهبا يعود إلى زمن الأنبياء، ويناقش أفكارا عن الخطيئة ودور العقل والرسالة والوحي، ومعنى التضحية والموت، بما فيها تقمص شخصية الميت، وهو ما ينتقل الى اللغة نفسها التي تصبح أكثر فصاحة وبلاغة وتنتمي إلى النصوص التاريخية المقدسة، الى أن يسلّمنا الراوي إلى صوت الإنسان الاول، لكنه يختلط بتصوراته عن نفسه مع قدرات لا نعرفها إلا لمن يمتلك صفة الخلق.
يطرح النص أسئلة عن الإمكانات المتاحة للكاتب، وتبدو للوهلة الاولى كأنها مساحة مطلقة للحرية والتعبير عن الذات والهواجس، لكنه سرعان ما يكتشف تبدد هذا الوهم أمام الاحتمالات المفتوحة لتقدم النص، والخضوع لقوانين الفن التي يمكن تكسيرها لكن بعد إيجادها وتمثلها، لأنه لا يمكن هدم ما هو غير متحقق او موجود.
تنتهي المتاهة الافتراضية أخيرا بعودة الراوي إلى وضعه الاول في ميدان التحرير، رافضا كل هذه الشخصيات، مؤكدا أنه يرغب في أن لا يكون سوى نفسه، وأن لا تكون الفتاة إلا ما هي عليه.
انتصار نهائي آخر للفردية كحلّ للتشوه الروحي، لكنه تأكيد يختار لنفسه صورة تتناقض مع النص التسعيني الذي انكفأ على ذاته ودواخله، من دون أن يعبأ بالآخر، مؤكدا فرديته ورفضه كل مشروع او مضمون جماعي، تثبيتاً لرفضه ما أصاب المجتمع من تشوه، وما أصاب النص السابق له في الوقت نفسه.
أما الفردية في نص محمد علاء الدين فتأتي نتيجة اختبارات متوالية للذات في صور الآخر. كأنها محاولة تفكيكية تبدأ من الجزء لتصل إلى الكل، لكنها في النهاية تحقق هويتها من فرديتها أيضا، منطلقة من أرض أخرى، أرض اللايقين والتشظي بحثا عن إنجيلها الضائع، "إنجيل آدم".

........................................................
و يالا بقي مدام هي كده، فيسعدني دعوتكم علي ندوة لـ"إنجيل آدم" ، ح تتعمل إن شاء الله في اتيليه القاهرة يوم التلات الجاي الموافق 12 سبتمبر 2006 بدعوة كريمة من الاستاذ إسامة عرابي المسئول عن الندوة الاسبوعية. تشروفوا و تنوروا.

3 comments:

شيماء زاهر said...

ألف مبروك يا محمد.كنت أكيد حاجي لولا سفري

:)

Anonymous said...

بالأمس قضينا وقتا رائعا
كانت ندوة اتيلييه القاهرة
شكرا لعلاء
و لأنجيل آدم
و لكل الآراء التى احبت الرواية من وجهة نظر لم يكن غيرهم ليراها لاول قراءتهم المخلصة
و شكراللذين اختلفوا
و الذين صدموا
لأنك عرفت
انك مازلت تصنع الدهشة
و انه ما زال فى الأمكان الكثير

كنت اتمنى اكون رايق اكتر فى منه فيه بس اعذرنى

مستنى أشعارك

مجدى الشافعى

Muhammad Aladdin said...

شيماء
الله يخليكي يا شيماء.. كإنك جيتي بالظبط
:)
و رحلة سعيدة و توصلي بالسلامة

مجدي
مجرد حضورك ده شيء عظيم و والله ما بجامل.. دمت اخ اكبر و فنان كبير يا مجدي
:)