designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Friday, April 11, 2008

..اروى على الهوا


المعادي، شتاء 1985 - كلب ضال

أصيب أخي الصغير هشام بداء" الصياعة المبكرة" وهو بعد في الصف الأول الإعدادي، أي في الثانية عشرة على الأكثر. وكنا، بالرغم من أني أكبره بسنوات ثلاثة، أي أنني كنت وقتها في الصف الأول الثانوي، متزاملين في المدرسة نفسها؛ فقد كانت مدرستنا من النوع المؤبد، تدخلها في الرابعة، ولا تخرج منها سوى في السابعة عشرة. ومن دلائل داء أخي الذي استجد عليه، أن صار يخرج للمدرسة مبكراً، أي قبل موعدها بساعتين. كان الجرس يضرب في الثامنة والربع، بينما يكون هشام قد خرج منذ السادسة صباحاً.

وبالتقصي، اكتشفنا ما وراء الموضوع. لقد تصاحب هشام مع كلب ضال يخرج من أجله مبكراً. ما إن يهل خارجاً من البيت حتى يستقبله الصديق الجديد بهز للذيل لا يتوقف، فيداعبه هشام وينطلق في طريقه، ويتبعه الصديق متقافزاً من السعادة حتى المدرسة التي تبعد قرابة الثلاثة كيلومترات عن البيت.

من نتائج هذه المرحلة، أني عرفت على لسان هشام خبراً مثيراً: أنه لم يكن أول الواصلين إلى المدرسة، ولا ثانيهم بعد خفير الحراسة المقيم، ولا ثالثهم بعد الفراش، لكنه كان الرابع في الترتيب بالرغم من وصوله في السادسة والنصف؛ فقد كان هناك من يسبقه من التلاميذ، وأعني هنا "أروى" من الصف الثاني الثانوي. ولم أكن لأعرف خبر اعتياد أروى الوصول في مثل هذه الساعة بغير صداقة أخي الغريبة مع الكلب الضال، التي قادته إلى الاستيقاظ والذهاب مبكراً إلى المدرسة، والتي ما لبث أن نسيها بعد أن ملَّ من الكلب وصحبته، أو ملَّ منه الكلب، فعاد إلى كسله القديم.

"الأروى" هو نوع من الظباء التي كانت تعيش في الجزيرة العربية. وبالرغم من أن العرب لم تكن لديهم العادة في اطلاق اسماء مثل هذه الحيوانات المسالمة على أبنائهم الذكور، وكانوا يحتفظون بها للإناث، أملاً في أن تحمَّل في المستقبل باستعارات مكنية عن عينين نجلاوين أو قوام رشيق، فقد اختار الأستاذ فتحي الشناوي موجه أول اللغة العربية بإدارة مصر القديمة التعليمية هذا الاسم الذي استخرجه من بطون الكتب الصفراء لولده الوحيد، الذي تيتم بفقدان الأم في سن مبكرة، حتى قبل أن نعرفه. ويجب هنا أن أقول أن أروى كان يكبرني بعام دراسي. وأنه كان قبل حكاية هشام مجرد طيف يعبر كالشبح في المشهد المدرسي اليومي فلا تلتفت إليه، بل ربما كنت تجده طالباً مملاً من شدة انضباطه. فقد كنا في أواسط الثمانينيات، وكانت الحقائب المدرسية تتجه نحو الطرز الرياضية أو نحو حقائب الظهر المجلوبة من صرعات الرحالة المتخففين، بأقمشتها الصناعية الملونة. وكنا نتحايل على الزي المدرسي الصارم بارتداء بنطلونات الجينز العملية. إلا أروى، فقد كان متمسكاً بحقيبة جلدية من طراز "المنفاخ" التي شاع استخدامها في أوساط المحامين ومن لف لفهم قبل ظهور السامسونايت المقوى. وبالزي المدرسي كاملاً: بنطلون رمادي من الصوف الثقيل، وقميص أبيض، وجورب من نفس اللون وحذاء من الجلد الأسود اللامع. وهكذا، وبعد هذه القصة انتبهت لأروى. صرت أتابعه في الطابور، وفي أوقات الفسحة، وأراه بعين خيالي في الساعات التي تسبق الجرس، واقفاً تحت شجرة الكافور العملاقة في فناء المدرسة وحيدا بملابسه الكاملة وحذائه اللامع، بينما يقذف أخي لصديقه في جانب من الفناء بكرة تنس مطاطية، فيركض الآخر ليعود إليه بها .

الجيزة، خريف 1987- شطرنج

التحقت بكلية الآداب - جامعة القاهرة وحيداً من بين أبناء دفعتي في الثانوية الذين انتظموا في كليات عسكرية أو عملية بحثاً عن مستقبل مضمون. وفي الأيام الأولى من الدراسة الجامعية يكون المرء تائهاً بين الأعداد الهائلة من الطلاب الذين يجهلهم، فيدور بين الزحام باحثاً عن وجه يعرفه. كان لكل شيء مهابة وجلال يدعوانك للتضاؤل: الأبنية العظيمة وعقودها وأقواسها الحجرية ودرجاتها الرخامية التي تخيلت طه حسين نفسه واقفاً ـ وياللغرابة ـ بنظارته السوداء ليشرف على تشييدها كمعماري محنك. كان لجامعة القاهرة وكلية الآداب معنى رمزي يتجاوز حجمها الحقيقي، وكنت أصغر من أن أدرك ذلك. كنتُ سعيداً بحرية التدخين داخل الأبنية التعليمية، وهو ما كان محظوراً علينا بشدة في المدرسة؛ كذلك بحرية المجيء والذهاب في أي وقت، ومع ذلك كنت أشعر بوحدة أشبه بالضياع الوجودي.

في إحدى جولاتي الحائرة، في أيامي الأولى، إذا بالزحام الأعمى ينشق عن أروى جالساً على احدى أرائك حديقة الكلية مع صديق له تتوسطهما رقعة شطرنج. وفي حال مثل حالي تكون مصادفة شخص مثله، يشاطرني ـ ولو من بعيد ـ أي نوع من المعرفة، أشبه بقشة لغريق. قدمني لصديقه " نبيل" باعتباري صديق قديم من أيام المدرسة. ومن اللحظة الأولى تبادلت ونبيل النفور. كان شاباً به الكثير من سمات المتزمتين: جبهة ضيقة يكاد مفرق شعره ينطبق فيها على حاجبيه، وكفان عريضتان على أذرع نحيلة تخرجان من أكمام قميصه وقد زررها في وقت جوه معتدل. ومن جيب قميصه برز قلم جاف من الطراز الذي كنا نسميه في المدارس:"قلم فرنساوي". تركتهما يكملان مباراة الشطرنج وجلست أتابعها، وأخرجت سيجارة وهممت بإشعالها، فسألني نبيل مستنكراً: " انت بتدخن؟" اجبته بوقاحة وأنا انفث دخان النفس الأول بحنكة من واظب على التدخين منذ الإعدادية: "يعني".

لم أكن من هواة الشطرنج، وإن كنت أعرف قواعد اللعبة منذ تعلمتها طفلاً. وبسهولة لاحظت أنهما ـ رغم انهماكهما ـ ليسا من محترفيها. وعليه فقد دخلت منافساً ثالثاً ألاعب من يغلب منهما. ووجدت أننا في مستويات متقاربة، أقرب إلى الضعف منها إلى القوة. ولأيام صرت أعرف طريقي في الكلية نحو أروى ونبيل فنقضي بضع ساعات في مبارزات شطرنجية متكافئة، أخرج مرة غالباً ومرة مغلوباً. واختلافي الوحيد عنهما هو أنني كنت أدرك أن الشطرنج بالنسبة لي مسألة تضييع وقت، لكنه بالنسبة لهما كان قضية حياة.

وفي إحدى المباريات، وعن طريق الصدفة وحدها، نقلت حصاني بحركة غير متوقعة، فإذا به في مركز مربع على زواياه قطع أربعة لنبيل هي الملك والوزير وطابيتان. وحصاني بحركته اللامية يهدد كل منها في مقتل. وقف أروى يصفق ويصرخ من الدهشة: "كشة رباعية" . كان على نبيل كي ينقذ ملكه أن يضحي بوزيره. لاحظت بعد برهة أن الفخ لم يكن محكماً، وأن حصاني كان مهدداً من قبل فيل بعيد، لكن مفاجأة "الكشة الرباعية" كانت أعمت نبيل وأروى من خلفه عنه.

وسرعان ما تعرفت إلى طالبة بقسم اللغة الفرنسية من حي "شبرا" تولت عن أروى وصديقه مهمة ادماجي في العالم الجديد. كانت الفتاة مزيجاً رائعاً من تلميذة المدارس الفرنسية وبنت البلد، لا تعرف أيهما ترتدي ثياب الأخرى؛ فصرت ملازماً لها، ونسيت بسببها أروى ونبيل فعادا إلى الزحام الأعمى الذي جاءا منه. ونسيت كذلك الشطرنج الذي لم أعد إلى لعبه من أيامها.

ماسبيرو، صيف 1998- لغة المالايو

أربع سنوات من البطالة قضيتها بعد تخرجي من الجامعة في التسكع والتنقل بين المقاهي وحلقات الكلام التي لا تنتهي. لم أكن أبحث عن وظيفة بشكل جاد، وإن كنت أتسبب أحياناً بأعمال مؤقتة تدر أقداراً من المال تكفي بعض احتياجات التسكع. فمن ترجمة بالقطعة هنا، لصحافة بالقطعة هناك، مرة كل بضعة أشهر، كنت راضياً عن نفسي. وكان أبي يجيب متحسراً على من يسأله عن طبيعة عملي فيقول: "أهوه بيجيب سجايره". إلى أن افتتحت الدولة باقة من القنوات الفضائية في تليفزيونها الحكومي، فالتحقت بالعمل فيها مع بضع آلاف من أبناء دفعتي والدفعات القريبة منها. مُعد برامج باتحاد الإذاعة والتليفزيون - وزارة الإعلام، هكذا كانت تصفني بطاقة العمل الجديد التي وضعت حدا للريبة التي كان يقابلني بها رجال الشرطة ضباطاً وأمناء في نقاط التفتيش الليلية حينما يجدون بخانة العمل في بطاقتي الشخصية: حاصل على ليسانس آداب. صرتُ إذن موظفاً بالدولة، وفي وزارة سيادية لا تقل أهمية عن الداخلية والدفاع.

مبنى " الإذاعة والتليفزيون" بكورنيش النيل – ماسبيرو، هو أحد أهم صروح الدولة المصرية كما تصورها رجال يوليو 52، بناء هائل يتسع لخمسة وثلاثين ألف موظف. عشر طوابق للمبني الدائري الأسفل ثم 17 آخرين فوقهم للبرج الذي يتوسطه. ومع التوسع، التهم المبنى الدائري بعض الشوارع الخلفية بحي بولاق ليمتد له جنحان مستطيلان بارتفاع العشر طوابق ذاتها. في أشهري الأولى بالعمل، كنت أسير مستكشفاً الممرات والدهاليز الثعبانية للمبنى بنشوة غريبة. يخامرني شعور قوي أني أتمشى في أحشاء الدولة، في أمعائها. وأنحرف داخلا في ممرات أضيق هي الشرايين ..ثم الأوردة.. ثم الشعيرات الدموية.. تطالعني أمم من الموظفين لا أعرف لهم عملا.. مكاتب غاصة بالبشر وأخرى خاوية.. طرقات وغرف فاخرة ومكيفة وأخرى متقشفة بأطلية رمادية وإضاءة نيون على طراز المصالح الحكومية العادية. وأسير.. وأسير.. كيلومترات طوال داخل المبنى بالنشوة ذاتها.. نعم أنا في قلب الدولة النابض.

في مرة، كنت أسير في أحد الأدوار المخصصة للإذاعة عندما قابلته مجدداً وبعد سنوات طوال، أروى بشحمه ولحمه وإن اشتعل رأسه شيبا. كان لا يزال في نهاية العشرينات. هذه المرة كان معه رجلاً في حدود الخمسين بملامح آسيوية سمراء وطاقية كطاقية سوكارنو. قدمه أروى لي على أنه الأستاذ سراج زميلهم من قسم "المالايو". لم أفهم، وسألت أروى عن عمله في الإذاعة. فقال أروى إنهم يعملون فيما يعرف بـ"الإذاعات الموجهة"، وهي محطات تُبث على الموجات القصيرة وتستهدف مناطق بعيدة من العالم تذيع لسكانها الأخبار من وجهة نظر الحكومة المصرية بلغاتهم المحلية..وهو قسم بالإذاعة باق بالقصور الذاتي من العهد الناصري، وزمن عدم الانحياز وتضامن الشعوب الأفرو آسيوية.. وأوضح أروى إنه يعمل قارئاً للنشرة في المحطة الموجهة لدول غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية بينما يعمل الأستاذ سراج ـ وهو ماليزي الجنسية يقيم في القاهرة منذ ثلاثين سنة ـ في المحطة الموجهة لجنوب شرق آسيا الناطق بلغة المالايو. وأضاف أروى تعليقاً صغيراً: " المشكلة إن الموجات القصيرة في العصر الحالي صارت ضعيفة لاتصل إلى المناطق المستهدفة". سألته مستوضحاً عن معنى ذلك، فرد الأستاذ سراج بابتسامة لطيفة وعربية ملحونة:

" باختصار نهنو نتكلمو ولا أَهَدا يسمؤنا".

اعتذر أروى عن البقاء معي أطول من ذلك لأن لا بد له الاسراع للحاق بالاستوديو حيث لديه نشرة على الهواء حالاً..فتركني مع الأستاذ سراج، وانطلق متأبطاً حزمة من الأوراق.. وسمعت دقات حذائه تتابع أصداؤها بينما هو يبتعد راكضاً في عمق الدهليز .

ياسر عبد اللطيف

2 comments:

شريف الهراوي said...

Hi .. I've read your stuff before and i have to say i really liked them. Anyways .. I hope it won't be rude if i got you tagged into 10 random things ..
http://al7akaya.blogspot.com

Reham R. said...

مساء الخير
أنا تخيلت ان النص تدوينة ليك، لحد ما خبطت ف آخر سطر في "ياسر عبد اللطيف"، خبطت فيها فعلا بخطها الكبير وقدومها غير المتوقع بالنسبة لي، ودي حاجة خلتني أضحك على نفسي شوية!
المهم، قريت لياسر عبد اللطيف حاجات مشابهة في قانون الوراثة، لدرجة اني في النص التاني من النص كنت قربت أكون اقتناع انك بتكتب شبهه!! وكنت في نفس الكلية تقريبا! قانون الوراثة مختلفة طبعا بس طريقة الكتابة اللي زي اليوميات مش جديدة، انما هي بتشد عند ياسر، معرفش ايه المشوق فيها بالظبط، بس هي مشوقة، يعني أكثر تشويقا من الخبز الحافي لشكري مثلا، رغم اختلافهم، وأكثر تشويقا من حاجات تشارلز ديكنز القديمة عن الطفولة المتشردة، احتمال لأنها أقرب؟ بس الأبعد المنطقي يكون مشوق أكتر! على العموم، هي كتابته ممتعة، وشكرا على الفرصة لقراية "أروى"، بس هي اتنشرت فين؟