designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Saturday, February 09, 2008

إنه أمر خارج عن سيطرتك، للأفضل أو للأسوأ...


قبل ستة أيام فجَّرَ رجل نفسه على قارعة الطريق في شمال ويسكنسن. لم يكن هناك شهود، ولكن يبدو أنه كان جالساً على العشب بجوار سيارته المركونة عندما انفجرت القنبلة مُصادفةً التي كان يصنعها. ووفقاً للتقارير القضائية التي نُشِرتْ تواً، فإنَّ الرجل قُتِلَ على الفور؛ تفجَّرتْ جثّته إلى الكثير من الأشلاء الصغيرة، وتمَّ العثور على قطع من جثّته على مسافةٍ وصلت حتى خمسين قدماً من موقع الانفجار. أما عن اليوم (الرابع من شهر تموز، 1990)، فلا يبدو أنَّ أحداً لديه أي فكرة عن هوية القتيل. وقد بدأتْ الإف.بي.آي، التي تعمل جنباً إلى جنب مع الشرطة المحلية وعناصر من مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية، تحقيقها بتفتيش السيارة، وهي من نوع دودج زرقاء عمرها سبع سنوات تحمل لوحة ولاية إلينويز، ولكن سرعان ما علِموا أنها مسروقة – سُرِقَتْ في وضح النهار من موقف سيارات جولييت في الثاني عشر من شهر حزيران. الأمر نفسه حدث عندما تفحَّصوا محتويات مِحفظة الرجل، التي نجتْ بمعجزة من الانفجار. واعتقدوا أنهم وقعوا على كنز من المعلومات – رخصة قيادة السائق، رقم الضمان الاجتماعي، بطاقات ائتمان – ولكن حالما أعطوا هذه الوثائق للحاسوب، حتى اتّضحَ أنها إما مُزوَّرة أو مسروقة. وكان يمكن أنْ يكون تقصّي بصمات الأصابع هي الخطوة التالية، ولكن في هذه الحالة لم يجدوا أي بصمات أصابع، بما أنَّ يديّ الرجل قد نسفتهما القنبلة. ولم تساعدهم السيارة في أي شيء. فقد تحوّلت سيارة الدودج إلى كتلة من الفولاذ المحترق والبلاستيك الذائب، وعلى الرغم الجهود التي بذلوها، لم يعثروا على أثرٍ لإصبعٍ واحد عليها. واعتقوا أنهم سيكونون أوفر حظاً مع أسنانه، مفترضين أنَّ هناك الكثير من الأسنان ليعملوا عليها، لكنَّ ذلك سيستغرق وقتاً، قد يصل حتى بضعة أشهر. وفي النهاية، لا شك في أنهم سيجدون مخرجاً، ولكن من الآن وحتى يتمكنوا من تحديد هوية ضحيتهم المُشوّهة، لم يكن لقضيَّتهم أي حظ من النجاح.

بالنسبة إليّ، كلما طال الأمر معهم كان أفضل. إنَّ القصة التي سأحكيها قصة معقَّدة، وإذا لم أنهِها قبل أنء يتوصلوا إلى جواب، فإنَّ الكلمات التي أنوي أنْ أكتبها لن يكون لها أي معنى. فما أنْ ينكشف السر، حتى تنتشر أكاذيب من كل صنف، وتدور الافتراءات القبيحة في الصحف والمجلات، وفي غضون بضعة أيام سوف تُدَمَّر سُمعة الرجل. هذا لا يعني أني أريد أنْ أدافع عمّا فعله، ولكن بما أنه لم يعُد قادراً على الدفاع عن نفسه، فإنّ أقلّ ما أستطيع أنْ أفعله هو أنْ أشرح مَنْ كان وأحكي القصة الحقيقية لِما حدث على قارعة ذلك الطريق في شمال ويسكنسن. ولهذا يجب أنْ أعمل بسرعة : أنْ أستعد لهم عندما تأتي اللحظة المناسبة. فإذا حدث وبقيَ اللغز دون حل، سوف أتمسّك ببساطة بما كتبته، ولن يحتاج أحد إلى أنْ يعرف شيئاً عنه. وستكون تلك أفضل نتيجة ممكنة : الجمود التام، لا ينطق أي من الجانبين بأي كلمة. ولكن ينبغي ألا أعتمد على هذا. ولكي أفعل ما عليّ أنْ أفعله، يجب أنْ أفترض أنهم قد أحاطوا به، وأنهم عاجلاً أو آجلاً سوف يعرفون هويته. وليس فقط عندما يتجمَّع لدي معلومات كافية لأنهي هذا – بل في أي لحظة، أي لحظة الآن .

في اليوم التالي للانفجار، نشرت وكالات الأنباء مقالة موجزة حول القضية. كانت واحدة من تلك المقالات المُلغّزة، القصيرة، التي يدفنونها في وسط الصحيفة، ولكن تصادفَ أنْ وقعت صحيفة النيويورك تايمز بين يدي وأنا أتناول طعام الغداء بعد ظهيرة ذلك اليوم. وبدأتُ، حتماً، أفكر في بنجامين ساخس. لم يكن في المقال ما يُشير إليه بأي طريقة مُحدَّدة، ولكن في الوقت نفسه بدا كل شيء متطابقاً. لم نكن قد تقابلنا منذ ما يقرب من عام، لكنه كان قد قال ما يكفي خلال آخر حديث دار بيننا ليقنعني بأنه واقع في مشكلة عويصة، وأنه مُقبل على مأزق عميق، مُبهم وغامض. إذا كان هذا الكلام شديد الإبهام، فيجب أنْ أضيف أنه أتى على ذِكر القنابل أيضاً، وتحدّثَ عنها بإسهاب خلال زيارته، وقد ظللتُ على مدى الأشهر الأحد عشر التالية أحمل في داخلي هذا الخوف – وقال إنه سينتحر، وأنني سأفتح الصحيفة ذات يوم وأقرأ فيها أنَّ صديقي فجَّرَ نفسه. لم يكن هذا في ذلك الوقت أكثر من حدس جامح، كلام أعمى ومجنون، ومع ذلك ما أنْ ولجتْ الفكرة رأسي لم أعد أستطيع التخلُّص منها. وبعد مرور يومين على قراءتي تلك المقالة، قرع اثنان من عناصر الإف بي آي بابي. وحالما أعلنا عن هويتهما فهمتُ أني على حق. لقد كان ساخس هو الرجل الذي فجَّرَ نفسه. لا شك في ذلك. لقد مات ساخس، والسبيل الوحيد لمساعدته هي أنْ أحتفظ بخبر موته لنفسي .

لعلَّ من حُسن حظي أني قرأت المقال في ذلك الوقت، على الرغم من أني أذكر أني في ذلك الوقت تمنّيتُ لو أني لم أرها. وإنْ كانت قد منحتني أي شيء فقد منحتني يومين لأستوعب الصدمة. وعندما جاء رجلا الإف بي آي إلى هنا ليطرحا أسئلتهما، كنتُ مستعداً لهما، وهذا ساعدني على التحكُّم في نفسي. ولم يزعجني أيضاً أنَّ ثمانٍ وأربعين ساعة إضافية قد انصرمتْ قبل أنْ ينجحا في العثور عليّ. ويبدو أنَّ من الأغراض التي أُخِذَتْ من محفظة ساخس مُزقة من الورق تحمل الأحرف الأولى من اسمي ورقم هاتفي. هكذا بدؤوا البحث عني، ولكن شاء الحظ أنْ يكون رقم الهاتف هو رقم هاتفي في نيويورك، وعلى امتداد الأيام العشرة السابقة كنتُ موجوداً في فرمونت، أعيشُ مع عائلتي في منزلٍ مُستأجَر حيث خطّطنا أنْ نُقيم حتى آخر الصيف. ويعلم الله مع كمْ من الناس تحدثوا قبل أنْ يكتشفوا مكاني هنا. وإذا ذكرتُ بالمناسبة أنَّ هذا المنزل كانت تملكه زوجة ساخس السابقة، ففقط لكي أعطي مِثالاً عن مدى تشابُك هذه القصة وتعقيدها في نهاية المطاف.

بذلتُ أقصى جهدي لأقوم بدور الأبله أمامهما، لأعطي أقلّ كمية ممكنة من المعلومات. قلت، كلا لم أقرأ المقال في الصحف. لا أعرف أي شيء عن القنابل أو عن سيارات مسروقة أو عن دروب ريفية خلفيّة في ويسكنسن. قلت إني كاتب، أعيشُ من تأليف الروايات، فإذا أرادا أنْ يتقصّيا عني فليبدءا – لكنَّ ذلك لن يُساعدهما في قضيتهما، إنهما إنما يهدران وقتهما. قالا، لعل هذا صحيح، ولكن ماذا عن مُزقة الورق الموجودة في مِحفظة الرجل الميت ؟ إنهما لا يحاولان اتّهامي بأي شيء، ولكن حقيقة أنه كان يحمل معه رقم هاتفي تبدو برهاناً على وجود صِلة بيننا. يجب أنْ أعترف بهذا، أليس كذلك ؟ قلت، نعم، طبعاً، ولكن مجرّد أنَّ هذا ما يبدو لا يعني أنه صحيح. هناك ألف طريقة يمكن لذلك الرجل أنْ يكون قد حصل بها على رقم هاتفي. إنَّ لدي أصدقاءً في كل بقاع العالم، وأي منهم يمكن أنْ يكون قد أعطاه إلى رجل غريب، الذي بدوره أعطاه إلى غريبٍ آخر. قالا، ربما، ولكن ما الذي يدعو أي شخص إلى حمل رقم هاتف شخص لا يعرفه ؟ قلت، لأني كاتب. قالا، أوه ؟ وما الفرق ؟ قلت، لأنَّ كتبي مطبوعة، والناس يقرؤونها، وأنا لا أعرفهم. لقد ولجت حياتهم دون عِلمي، وما داموا يحملون كتابي بأيديهم، فإنَّ كلماتي هي الحقيقة الوحيدة بالنسبة إليهم. قالا، هذا طبيعي، هكذا هي حال الكتب. قلت، نعم، ولكن أحياناً يتَّضحُ أنَّ أولئك الناس مجانين. إنهم يقرؤون كتابك، ويضرب شيءٌ ما فيه على نغمةٍ في أعماق أرواحهم. وفجأةً، يتخيّلون أنكَ تنتمي إليهم، أنكَ صديقهم الوحيد في العالم. ولكي أُبرِزَ ما أرمي إليه، أعطيتهم عدداً من الأمثلة – كلها صحيحة، وكلها مأخوذة مباشرة من تجربتي الخاصة. الرسائل الجنونية، والاتصالات الهاتفية في الساعة الثالثة صباحاً، والتهديدات المجهولة المصدر. تبعتُ قائلاً، في العام الفائت فقط اكتشفتُ أنَّ أحدهم ينتحل شخصيتي – يُجيب عن الرسائل باسمي، يدخل محلات بيع الكتب ويوقِّع على كتبي، يحومُ كشبحٍ خبيث حول تخوم حياتي. إنَّ الكتاب مادة غامضة، وحالما يخرج إلى العالم، كل شيء يمكن أنْ يحدث، كافة أنواع الأعمال الخبيثة، ولا سبيل إلى فعل أي شيء بهذا الشأنْ. إنه أمر خارج عن سيطرتك، للأفضل أو للأسوأ.

بول أوستر

___________________

من رواية " اللوياثان "

ترجمة: أسامة منزلجي

*****

عن موقع أوكسجين

3 comments:

أحمد منتصر said...

حلو أوي المقتطف ده :)

ayman_elgendy said...

عسل الكلام ده

it was time long ago since i met you abo alaa

إيهاب رضوان said...

مدونتك رائعة ومقتطفاتك شديدة الجمال
خالص حبى