designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Tuesday, January 02, 2007

..صقر يلتهم الاشياء برقة


شئ اعتيادي يحدث عندما تجالس الالمعيين الذين يعرفون انهم كذلك: التوجس.

هل توجد كلمة أخرى ادق لوصف هذا الشعور المتداخل بين الشك و الترقب و بعض من الكراهية المستترة و الحنق المكبوت؟

لا اعلم، و لكنك، و مع ذلك، لن تحس بذلك و انت تجلس مع ياسر ثابت.

دخلت إلى المقهى الشهير في وسط البلد و اجلت نظري. لم المحه. المقهى ليس بكبير حتى تنسل صورته من عينيّ بسهولة. لا اعرف له سوى صورة واحدة يضعها في مدونته، و لم اجالسه قبلًا برغم الاصدقاء المعارف المشتركين.

خرجت إلي الشارع و نظرت إلى يساري حيث ممر القهوة العابر في جسد البناية كسهم مستقيم قبل أن يحيد يمينًا لينفتح علي ميدان الفلكي. لم يكن جالسًا هناك ايضًا. و عندما نقرات فوق اسمه و انتظرت، وجدت ذلك الرجل الهادئ يترك جريدته، و يعتدل في كرسيه، و ينظر إلي مبتسمًا عبر الزجاج.

وجهه منبسط في شبه ابتسامة دائمة. شعره الرمادي يستقر بهدوء فوق رأسه. منظار انيق يداعبه في حركة عصبية بين الحين و الآخر. نظرته وديعة حتي في حدتها، حتى عندما تتلاعب الصبيانية اللاهية العابثة فيهما لثوان قليلة جدًا غالبًا. و عندما يبتسم فهو طفل صغير لم تلوثه الحياة بعد. هكذا يبدو فحسب، تذكروا، هكذا يبدو فحسب.

اشدد علي "يبدو" و "فحسب" لأن من يقرأ مقالات ياسر ثابت، سواء في الوسائط المطبوعة أو في وسيطنا الإليكتروني ها هنا، يجد ذلك المزيج من الهدوء و الثقة و العين الخبيرة المدققة، التؤدة التي تكتب بها الكلمات يمكن تخيلها في يد جراح ماهر، و ترتيب الكلمات ذاتها يشبه خطوط رهيفة من مهندس معماري يحترف بناء البنايات المدهشة في اناقة هامسة، بلا مبالغة استعراضية في الزوايا و الانحناءات.

كل هذا يوحي بصقر سرق الهيئة الانسانية و جلس ليطلب الشاي في قهوة وسط البلد و هو يراقب العصافير بابتسامة شريرة و متعالية في ذات الوقت.

إذا رأيت البراءة حهلًا فتصاب حتمًا بلحظة من الاندهاش عندما تجد ذلك الصقر الطبيب المهندس طفلًا سعيدًا عندما يبتسم، و طفلًا خجولًا عندما يشرح، و طفلًا هادئًا عندما يسمع. تلك البراءة التي تطل من ياسر ثابت لا تعني ابدًا الجهل. و كونه طفلًا بريئًا لا يعني أن الحياة لم تلوثه بخبرات متعددة منها الصالح و الطالح و الحسن و السيء و الطيب و الخبيث.

و عندما تجيل النظر في ملامحه و ادائه الحركي اليسير و رده فعله المحكومة دائمًا بفعل الهمس يخدعك مظهر الموظف الوديع الانطوائي الذي ربما تزوج مذ كان في الثانية عشرة من عمره مثلًا و لا يهوي السهر أو السفر أو مجالسة الدهماء في القهاوي. حسنًا. اقرأ كلمات ياسر ثابت، و انصت لحديثه الراقي الهامس. ستكتشف شيئًا عجبًا.

هاهو الصقر يلتهم الاشياء برقة.

حال غريبة و لكن ذلك الكاتب الذي يقتنص القارئ اقتناصًا يجلس كإنسان رقيق الحاشية، دمث. اريحي و مجامل و لكنه يجيد الصراحة بمهارة الدبلوماسي الكاذب. إن بدت تلك الجملة ملتبسة فيمكنني أن اقول لك مثلًا أن ياسر ثابت يتمتع بقدر كبير و شرعي من احترام الذات و تقديرها، و لكنها دومًا تطير إلي قلبك بلا أي نوع من انواع الاستفزاز.

يبدو أنه قد حل بذاته معضلة الواثق المنفر المستفز المزعج الموجع التي تعاني منها البشرية طوال تاريخها المعلوم.

جلسنا فيما يقارب الثلاث ساعات و نصف تقريبًا في اليوم الأول لبداية العام الجديد. تجاذبنا اطراف الحديث ثم امعائه، و التف حبل الوصال حول قصبة التدوين و المدونين، الصحافة كمهنة و الصحافي كإنسان، القنوات الفضائية و طيبة نساء البلطيق، عناد الشباب الطبيعي و عروض العمل غير الطبيعية، الاندفاع و هدوء الخبرة، الادب و السيناريو، حكايات قديمة و جديدة لزملاء كانوا قديم و جديد و قبل و بعد و بذرة و شجرة. قال لي أن الوعي بالمكان و جوهر التمني هو ما يجذبه فيما اكتب، و قلت له أن تواشج المعلومة المجردة و العين الذكية بالإسلوب السلس الناعم هو ما يفيض من كتابته جميعها، و أنها هي البئر في وسط صحراء يقطنها الكافرين بكل شيء إلا تجارة—و ربما نخاسة—شيوخ القبائل.

هو رجل تشرب معاه اربعة اكواب من الشاي و تتحدث في كل شيء حتي يسلم عليك بحرارة، تاركًا اياك لتفتقده في ذات اللحظة التي يمضي فيها مبتعدًا بوجه منبسط و ابتسامة طفيفة علي الشفتين. نحن علي وعد بلقاء أخر، قريب و قادم ايها الصديق العزيز. لا تنس.

:)

5 comments:

Sherif Nagib said...

صقر يلتهم الأشياء برقة

تدهشني دائماً بتشبيهاتك الغريبة و الجميلة يا علاء، جميل جداً هذا التشبيه و رائعة جداً هذه التدوينة التي تقترب من أستاذ نحترمه و نحبه جميعاً.
و أنا معاك تماماً في حكاية الصراحة بمهارة الدبلوماسي :)

Anonymous said...

بقدر ما أسعدتني كلماتك.. بقدر ما أخجلتني هذه القطعة الأدبية الصادقة

تعرف أن حوارنا كان يمكن أن يمتد حتى ساعات الصباح الأولى.. فقد وجدنا أرضاً مشتركة نقف فوقها ونسجنا بسرعة صداقة جميلة أثق في أنها تنمو الآن يوماً على صدر يوم

قلت لك وأكرر الآن: وعيك بالمكان فريد من نوعه

التفاصيل الذكية التي التقطتها عني أدهشتني ودفعتني إلى الابتسام

أشكرك أيها الصديق الجميل

Muhammad Aladdin said...

شريف
خطوة عزيزة يا سيدي الفاضل و متشكر جدا جدا جدا
:)

ياسر
كل السعادة و الشرف لي، بصدق
:)

samia bakry said...

بوست جميل اعادني لايام قراءة المدونات وصفك لدكتورياسر رائع مع انيمعرفوش غير اليكترونيا لكن واضح كتير من الصفات دي فيه
تحياتي لكما

samia bakry said...

بوست جميل اعادني لايام قراءة المدونات وصفك لدكتورياسر رائع مع انيمعرفوش غير اليكترونيا لكن واضح كتير من الصفات دي فيه
تحياتي لكما