designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Sunday, December 24, 2006

..إيهيه ايشار إيهيه


عندما فرغت سجائري خرجت إلى الشارع العريض. الجو بارد و الهواء يلفح ببرد و يلسع بصقيع. كان هذا هو جوي المثالي فلم انزعج أو اتذمر. للمرة الأولى عبر فترة طويلة قصيرة اشعر ببعض من الهدوء. هدوء. كلمة ربما لا تعبر بدقة.. دعنا نقل استقرار.. قرار في القاع بلا حركة مستفزة و لا نبو عصي. صفاء يلف العقل و بائع طيب في متجري المفضل يقرضني نارًا عندمًا اكتشفت انني نسيت قداحتي. بلوفر ثقيل و جاكيت من الجينز و بنطال رياضي خفيف و جورب بني يمثل غرابة قصوى لما فوقه و غرابة مستحبة للخف الازرق الذي يحتويه. امشي بهدوء بلا بطاقة شخصية أو منديل ألف به عنقي. كيس بلاستيكي يتدلي من يدي اليمني حاملًا علبة صفيحية من البيبسي منخفض السعرات الحرارية و كيسًا من البيك رولز و كعكتين مغلفتين و رقائق الشيكولاته التي تصنعها مصانع الشمعدان الذي يحبك "كمان و كمان". تلك الايام الخوالي حينما كان القويري الاقرع يطل عليك من شاشة التلفاز ليقول بصوت احادي النبرة كلمات "الشمعدان" و "بتحبه" و "كمان و كمان". الزوجة المعجبانية تقول بصوت المابيت شو "عجلة!" ليلقي بها بعض البلطجية علي الفائز. استدارات جسدها التي تقول الاشاعات انها تدين بها لعائلة اخرجت "سمية الخشاب" غفرت لصوتها ما تقدم من ذنبه و ما تأخر. ايام خوالي كنت فيها طفلًا و كنت فيها مالم اكونه الآن. يبدو هذا الحكم هو الاصلح لأنني ببساطة لا اتذكر ما كنته عندما كنت طفلًا، لا اجد تعريفًا غير "لست ما كنته الآن" لأن الآن لا يمكن أن يساوي الماضي و لأن لفظ طفل علمي محايد. ربما اعرف ما كنت عليه في الايام الخوال و لكنني لا اعرف تحديدًا ما اصبحت عليه الآن. عندما اكتب هذه السطور اتذكر كوني كاتبًا و اشعر بذلك القرار في القاع. كنت انسانًا فحسب طوال الايام الفائتة و ربما هذا هو سبب حيرتي. حدثت نفسي و الساعة تقارب الخامسة صباحًا أن اصلح غلطتي و احضر منديلا التفح به، و جوربا متسقًا و القداحة التي لن تعود منسية لأتمشى إلي سيلانترو الزمالك حيث الكابوتشينو الاليف و لكنني تكاسلت رغم روعة الجو.

لا يمكنك فهم نفسك و لا يمكنك أيضًا أن تتيقن من صحة ما سبق. الكتابة هي كالملاك المقرن الذي يلهمك صراطًا لا يعدك بكونه مستقيمًا. تجد نفسك فوق ازرار الكي بورد و تحمل اللاب توب إلي التويليت و تكتب من فوق العرش البيولوجي الاعظم في سابقة أولى. تعودت أن اجلس هنا للقراءة أو لحك ذكري—في تلك الأيام الخوالي البعيدة—و لكنني لم اجلس هنا لأدلي مؤخرتي العارية في ذلك الفضاء البارد المنعش و لأكتب. الكلمة وراء الكلمة و السطر وراء السطر و ابتسامات ما تأكل جانب شفتيّ و انا اشاهد جوناثان برايس يؤدي دور كاتب عبقري في فيلم اذاعته الام بي سي تو مذ ساعات قليلة. مثيرة تلك الفكرة، أن يجلس كاتب الواقع ليشاهد كاتب الخيال. تلك الحلل متوسطة العمر و المناديل ذات الحس الفوضوي و المرهف في ذات الوقت. ابتسامة برايس المترددة ما بين الخجل و الوقاحة، الغضب و الرضا، الاحباط و النشوة. تلك الابتسامة العصبية التي تليق بمجنون أو بإمبراطور عظيم. نظرات عينيه المترددة في ذات الوقت التي تكون فيه محدقة ثابتة. الكاتب الذي يتحرك ماشيًا في الشوارع و صورته تحتل الفراغ الخالي في ظهر كتبه. كل الافلام أو الروايات أو المسرحيات تجسد الكاتب انسانًا يعيش رغم كل الرومانسيات التافهة، لا يمكنك أن تجد احدًا يكلف نفسه عن الكتابة عن حال الكتابة نفسها أو أن الكاتب يكتب حالا و لا شيء آخر. بالطبع الدراما لا تلتفت لتفاهاتي الصغيرة التي اسردها هنا و لكني—و اخبركم سرًا صغيرًا—فعلتها مرة واحدة و سردت كتابة لكاتب منزو مجهول و لكنه دائمًا يطل من وراء حجاب. فكرة أكثر طرافة، و هي عندما ينتبه كاتب الواقع إلى أن كاتب الخيال أبن لكاتب السينما الذي يكتب عن نفسه و عن زملائه و يفترض حسن نيتك الدائمة في عدم الانتباه إلي تلك الخدعة الراقية النادرة: الكاتب حين يكتب كاتبًا. لا يمكنك أن تجد مهندسًا يهندس بناية تمثل مهندسًا أخر، أو طبيب يجري عملية جراحية تشرح في ذاتها شخصية الاطباء الاخرين. يمكننا أن نري موسيقيًا يفعل ذلك و رسام يفعل ذلك، و مصور يفعل ذلك (انظر إلي محمد تورجوت في الصورة بأعلى) و لكنني ككاتب، و بانحياز بغيض لمهنتي اكرر بجهل مستفز: هي خدعة راقية لطيفة ينفرد بها الكُتاب بتواضع مثير للجدل. يمكن أيضًا أن نرى الكاتب و هو ينتقم من احبائه و مريديه و اصدقائه علي صفحاته البيضاء. همس نجيب محفوظ بذلك لعبد الوهاب الاسواني. الانتقام من الاخر في ساحة بيضاء انت فيها الاله العلي. تقويم للنفس يساعدك علي الحياة. الكاتب يغذي نرجسية الانسان التافهة و الانسان يمنح الكاتب ما يكتبه.

عندما اغادر كينونتي الانسانية اشعر بالامان. عندما ارى نفسي في الضوء الباهر كل ما اردته انسى كل ما يؤلمني و يترك مرارة في حلقي. عندما اكتب ما يزعجني تتفتت الصخرة التي تطبق علي قلبي إلا قليلًا. اذكر العفريت فيجىء و اشعر بالذعر من بلاهتي لخوفي من عفريت ابله إلى هذا الحد. افكر في اليهود و غرامهم المشبوب بيهوه و لفظة ايهيه ايشار ايهيه. انا من اكون انا. عبرية لطيفة ربما تعكس خوفًا من نطق اسم الاله الحبيب في العدم فيتجلى يهوه في صورة حامل اثداء أو فتاحة خطابات.

عندما اكتب احتشد بكل رومانسيتي و عيني الثالثة الهائمة في فضاء الحجرة—أو التويليت في حالتنا ذات الروائح المبهجة—و تتأمل بنرجسية فتاها المحبوب و هو يكتب الالفاظ البديعة و السطور الباهرة و المعانى الجذلة بحلاوة أي شيء و طلاوة أي كلام. لا يزعجني كوني انسانًا ضعيفًا مشوهًا تائهًا فقد كل شيء إلا جبروت أعمى و ضعف يتخبط في الاركان متلاطمًا إلي أن يصطدم بأحد المارين بين الجبال الوعرة فيحسبه قوة و منعة و صلابة. اليوم، و اليوم فقط، بينما أنا بملابسي البيتية الرثة و جوربي ذو اللون غير المتناسق و مؤخرتي العارية المتأرجحة في فم العرش احس برجوع الشيخ إلى صباه، و صحو الفتي من كابوسه، و دفء فرج يأكل ذكرًا حالمًا. بينما أنا اكتب من حمام بيتي الزهري المنمق احس ببركة الكتابة السرمدية و بشاعة أن تكون انسانًا وضيعًا تتناهبه الانواء كبشري مثالي.

...............................................................

الصورة: محمد تورجوت

7 comments:

Omar said...

"احس ببركة الكتابة السرمدية و بشاعة أن تكون انسانًا وضيعًا تتناهبه الانواء كبشري مثال"

يا سلام يا سيدي يا سلام

Muhammad Aladdin said...

يا سلامللي
:P :P :P

Anonymous said...

ابقى اقرا ميكي و انت في الحمام و ارحمنا من تجلياتلك الادبية - الانانية جدا

المسافر said...

يمكن لكونك كاتب مريض بالكتابة أي أنك مدمن كتابة فبتكتب على روحك أو بمعنى آخر أن الأفكار تتلاطم عنددك بشكل متناهي في التراكب، ومتوالي وقد يكون متعارض في بعض الأحيان.

أجد فيما كتب قوة في البعد التصويري وجرأة في الوصف التفصيلي يجعل من يقرأ يتخيل الأماكن حتى وإن كانت غير اعتيادية مثل الحمام هنا ويبدأ في تخيل نفسه مكانك.

أعتقد أن ذلك وليد لمصارحة وتصالح مع النفس ومع من يقرأ.

كل ما كتب يخرج عن مألوف الكتابة ولكنه يغوص في الصدق والتحليق معاً فمن أو العنوان العبري غير المعروف لكثيرين ومروراً بالأماكن غير المألوفة للجميع وإنتهاء بمشاعر وذكريات قد لا يجرؤ الكثيرين على البوح بها على لسان أبطال رواياتهم ما بالك على ألسنتهم شخصياً.

هذا الاتجاه غير المألوف من الكتابة يحتاج أن يكون كما فعلت بالضبط ليس بالطويل الممل ولا القصير المبتور والذي لا يوصل المعاني ، فحسناً فعلت.

لا أدري لماذا كتب لك كل ذلك لكني أتابع مدونتك منذ أكثر من سنة وأجد فيها ما هو ممتع ومفيد معاً.

أشكرك

Muhammad Aladdin said...

المجهول
ماتجيش انت و ارحم نفسك اسهل

المسافر
اشكرك جزيلا و نورت البلوج يا سيدي
:)

Anonymous said...

http://magdycomics.com/blog/
افتكرتك انت العلاء اللى باعت البوست عندى
و كما هى العادة
تستغرقنى كتاباتك يا علاء
و اعتقد ان بلوجك اصبح مثل الصحيفة اليومية
يمكنك قراءة العالم من يوميات شخص ... هو ده جزء من اهمية و حيوية البلوج

لنا وقفة بسيطة عند مقطع " كينونتى الانسانية " من غير حساسية انشا اوى يا لول انت امهر من كده

Muhammad Aladdin said...

مجود
عليا النعمة انت شيك
:)
بس يا مجدي انا للأسف، و صدقني، مش امهر من كده و لا حاجة
:)
و بصرف النظر عن المجاملة الشيك، فانا فاهم انت تقصد ايه، انا برضه حسيت بشيء ما و انا بكتب الاصطكاك ده: كينونتي الانسانية.. بس بيني و بينك انا لما فكرت ثانية مالقيتش فيها عيب، و لاقيت ان تحرزي منها هو حساسية الانشا بعينها: مادام الكلمة تعني شيء، تغيرها ليه؟
:)