designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Monday, January 02, 2006

شعوب المرآة

يقولون أن الشعوب التي تقطن في العالم القابع أمام المرآة تملك قدرة علي التشكل الدائم لملائمة شكل الكائن الذي يطل عليهم من العالم القابع وراء المرآة، ويفسرون ذلك بأن تلك الشعوب – التي أسموها الأماميين، و اسموا أنفسهم الخلفيين - يحاولون خداعهم بحيلة قديمة استقوها من بعض كتب الفلسفة التي شاعت بين أبناء الخلفيين عن أن المرآة ما هي إلا سطح يعكس ذات المخلوق الخلفي أمام عينيه في محاولة للتعرف علي خواصه و شكله، و هي نفس الهرطقة التي روجوها عن شعوب الماء، مستغلين ناموس رب المرايا الذي قسم العالمين فمنع دخول هذا إلي ذاك ما دام الوجود الفيزيقي، و جعل هذا يمتزج بذاك لا يحسه و لا يدركه – وهذا ما قسمه في حالة شعوب الماء.
كان الخلفيون يعلمون جيداً أن الأماميين يستخدمون تلك الآراء في محاولاتهم اللصيقة للتجسس علي عالمهم عن طريق النوافذ بين العالمين (و الذي قرر رب المرايا في تاريخ قديم - لا يعلم أحد زمانه بالضبط أو حتى بالتقريب - تسميتها بـ"المرآة" و الجمع "مرايا"، و بالطبع ما يقابلهما من لغات شعوب العالمين( بسرية مطلقة قبل الغزو الوشيك الذين ينوون القيام به. ينوي الأماميون كسر الناموس و تحدي السور المقدس بجشع لا يواربونه عن أنفسهم. يظهر منهم من يتزندق و يسأل عمن جعل الخلفيين خلفيين، و عمن جعل الأماميين أماميين، و يتمادى في زندقته و يجادل بتلاعبات لغوية عبثية بأن الخلفيين أسموا أنفسهم "خلفيين" مع أنهم يُعتبرون "أماميين" هم أنفسهم، إذ أنهم يقفون (أمام) المرآة مثلهم مثل الأماميين "، و ينتهي بالقول بعبث هذا التقسيم الذي يجسد الفرقة بين أبناء الشعب الواحد. و هكذا يمضي الأماميون في خداعهم و مروقهم، حيث يعلم الخلفيون أن هيئة الأماميين ليست هي علي مثل الخلفيين، و أن ما يظهرون أنفسهم به ما هو إلا خداع و تدليس.
بالطبع يسخر فلاسفة الخلفيين و المتمسحين منهم في مسوح العقل من تلك الأقاويل، و لا يترددون في التنكيل بأصحابها و معتنقيها منهم في كل مكان من الوطن الشاسع وراء النوافذ المسماة مرايا، و هكذا يمكن تخيل صدمة زعيمهم الحليق الوسيم عندما استيقظ من نومه ذات مرة، و ذهب إلي حيث حمامه ليغتسل واقفاً خلف مرآته، ففوجئ بأن "صورته" تنظر إليه بذقن طويلة مشذبة. عقدت الدهشة لسانه، و نظر إلي النافذة بذهول، حدا الكائن الأمامي عن سؤال نفسه – أثناء تقليده انطباع الزعيم – عن كنه الشيء الذي يثير تعجب زعيم الفلاسفة الخلفيين إلي ذلك الحد، فنظر إلي حد ذقنه المشعرة، ثم إلي وجه الزعيم المصدوم، ثم فعل شيء لم يحدث في تاريخ خلق العالمين منذ قديم الأزل – علي حد علمنا المتواضع.
لقد فتح شفتيه و قال للزعيم بنبرة اعتذار – ميز فيها الفيلسوف صوته: "آسف لك أيها المفكر المحترم، يبدو أنهم لم يبلغوني مواصفاتكم جيداً".
يستخدم عامة الخلفيين هذه الحكاية التي نشرها من كان سابقاً زعيماً للفلاسفة منهم في كتاب له يجسد فيه رحلة التوبة التي بدأتها هذه الواقعة، بينما يرد الفلاسفة و زعيمهم الذي كان جديداً بأن الرجل قد جن ببساطة. و لا يزال الصراع قائماً بين الفريقين حتى لحظة كتابة هذه السطور
...................................................................
من المجموعة القصصية "الحياة السرية للمواطن م"--تحت الطبع

4 comments:

Nerro said...

حلوة قوي :)))

Muhammad Aladdin said...

يخليك ليا يا اميرة
:p

RAT said...

وقعت في الحيرة الان, فانا لا اعرف اذا كنت امام المراة ام خلفها و لا اعرف ممن علي التخلص من الامامية ام الخلفية
نص جميل على صعوبته

Muhammad Aladdin said...

البس معطف بوذا لأقول: أليس فعل الحياة يعني فعل الحيرة في احيان كثيرة؟
:)
شكرا جزيلا يا سيدتي
:)