designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Saturday, September 17, 2005

محاولة أخيرة للتعاطف مع اليمين

اليمين في الفهم البسيط المعتاد هو ذلك الموقف الفكري و الخلقي الذي يرتبط بكل ما هو راسخ و ضارب في اعماق التجربة البشرية، هو ذلك الميل نحو التقاليد و الاعراف في مقابلة الابتداع و التجديد
و يرتبط بهذا المفهوم مسألة الولاء لقيمة الملكية علي المستوي الاقتصادي و الخلقي، فكانت الرأسمالية هي النظام المفضل لليمين، لما تقوم عليه الرأسمالية من تقديس للملكية، و الملكية هي قيمة اكتسبت سحرها منذ ملايين السنين من التواجد الانساني المعلوم بفضل الحضارة، أو المجهول تبعًا لاختفائها، و بذلك كانت قيمة الملكية راسخة و عتيدة، و بذلك صارت قيمة يمينية إلي اقصي درجة. و يرتبط بذلك الملكية كمفهوم اجتماعي، حيث يملك الرجل امرأته، و تمتلك المرأة رجلها (و إن كان ذلك بحرارة اقل)، و بذلك يكون اعتداء الرجل علي امرأة رجل آخر—أو امرأة علي رجل امرأة اخري—هي خطيئة لا تغتفر في العقلية اليمينية، و بالطبع كانت الاخلاق حليفًا صنعه اليمين و شكله من اجل حماية مكتسباته
و علي هذا المنوال نجد ايضًا الالتصاق الشديد بالتدين كقيمة و اليمين، فالدين هو "الوحيد الذي يستطيع إضفاء القداسة علي الاخلاق" كما يقول روياس. شّكل اليمين التدين علي هواه كما شكله التدين بالضبط في عملية معقدة، فكان الدين كقيمة مطلقة جزءًا لا يتجزأ من التقاليد و الأعراف التي اعتاد عليها البشر منذ فجر التاريخ (مهما كان نوع الدين، سماوي او وضعي) مما جعله مشكلًا اساسيًا للموقف اليميني الاخلاقي المتشدد في حالات كثيرة، بينما كان التدين علي الطريقة اليمينية هو مفتاح الامان الذي يصون الصفوة من كبار الملاك و الطبقة الحاكمة
و بينما يكتسب اليسار جاذبيته من فعل الثورة و التمرد، يكتسب اليمين سطوته من تجربة تاريخية عتيدة، استعان بها بالاخلاق و التدين المصنوع بحرفية، فصعِب علي الانسان—خاصة أن كان شرقيًا—رفض أي موقف يميني يكتسب الاحترام حقًا مثل الحفاظ علي الأسرة، و حماية النشء، و الطهارة، و الألتزام. يحدث مثل هذا الاحترام بينما يمكن أن يؤمن الانسان مثلًا بالحق في ممارسة الجنس بدون زواج، أو بالتقليل من هالة الاسرة القدسية مثلًا، أو بالتشكيك في المعني الحقيقي لكلمة "طهارة" أو "ألتزام" و البحث في تأويلاتهما و معانيهما الخفية. يحترم الشخص الطبيعي الذي يميل لليسار أي شخص يريد بناء اسرة، أو أي شخص يرتبط بعقد رسمي مع الفتاة التي يحبها
قد يقول البعض أن هذه القيم هي قيم خلقية منفصلة عن طبيعة اليسار أو اليمين معًا، و لكن مهلًا، ارجع بضع سطور إلي الوراء عما قلناه عن اليمين و الاخلاق و التدين (و ليس الدين في ذاته). اليمين هو التجربة الانسانية بحكمتها و تسلطها و قسوتها و براجماتيتها. اليسار هو ممثل التمرد و نشوة الجنون و شبق التجربة و البحث الدائم عن فردوس مفقود و متخيل. اليسار نبيل نبل الادب و الرسالات السماوية التي قد يتمرد عليها بالفعل. اليسار يهاجم الاديان في لا معقوليتها و تبشيرها بفردوس ميتافيزيقي وهمي متخيل، بينما يحثنا اليسار—بصورة بديعة التماثل—علي فردوس وهمي متخيل آخر، و لا معقول أيضًا، و لكنه هذه المرة علي سطح الارض. هكذا يلتقي اليسار—دون أن يدري—بأهم منافسيه و اعدائه الفكريين: الدين كمنهاج مطلق، و التدين اليميني المصنوع لغايات دنيوية
اليمين يعني الاستقرار، الذي يفسره اليسار علي انه الموات. يعني العملية، التي يفسرها اليسار علي انها الانتهازية، يعني الواقعية، التي يفسرها اليسار علي انها التسلط. اليمين يتفهم الحيوانية البشرية مثل اليسار، علي عكس ما يشاع دائمًا، و لكن ليس بنفس طريقة اليسار المتمرد. فاليمين في الشرق يحيط دائمًا النوازع الجنسية بغطاء كثيف من التبرير و المشروعية، و هذا بالطبع الموقف اليميني المعتاد، و لكنه أيضًا يصل إلي منطقة التواطؤ في ممارسات عملية علي ارض الواقع، فنحن نري البنت التي ترقص في احد الافراح، لا يقول احد من الجالسين انها ساقطة، قد لا يجعل ابنته أو اخته أو خطيبته ترقص مثلها و لكنه لا يطلق عليها وصف الساقطة.ليس بدافع التحرر الثوري، و لكن من اجل اكثر الدوافع يمينية. البنت تستعرض جسدها علي الذكور الحاضرين بشكل جنسي فج، و هو المستهجن دومًا من دعاة الاخلاق و العيب، و لكن البنت تفعل ذلك في سبيل هدف نبيل: الزواج. و من اجل الزواج يتواطأ اليمين—الاخلاق و الاعراف و التقاليد—مع نوازع البشر الجنسية لجعل الموقف لطيفًا طريفًا دونما ازعاج. الفارق بين اليسار و اليمين في هذا المثال العابر، و دعنا نسميه الاغراء، هو الوظيفية: اليسار يري أن الاغراء هو وسيلة للجنس، و الجنس غاية في ذاته إعلاء للمتعة و التحرر، بينما يري اليمين انه طعم مر المذاق في سبيل تكوين أسرة، و الأسرة غاية في ذاتها إعلاءً لقيم الترابط بين البشر تحت اسم الزواج. يرفض اليسار عادة مثل هذه المكيافيللية في المواقف، و لكن دعنا نعترف، اليمين يلعبها بحكمة و واقعية. يحدث ان يتزوج المرء لأن انثاه المختارة طيبة و جميلة، و هو بذلك محظوظ. و لكن أن كان هناك اختيار، فأن الذكر الشهواني بالطبيعة سينحاز للجمال في الاعم الاغلب، و سيحاول تعزية نفسه بمزيد من الخدع علي منوال انه سوف يطبع انثاه بعادته بعد الزواج
اليمين حكيم لأنه يختزل التجربة الانسانية، و يعرف محدداتها و مفاتيحها بشكل تام، علي الاقل هو لا يخطئ هدفه إلا في القليل النادر، و في حالات طريفة مثل القديسين و الاولياء، و هي طريفة لأن هؤلاء القديسين و الاولياء هم عينهم من يقوم اليمين باستغلال تراثهم لصالحه في النهاية، بل و يجعل هذا التراث عماد مؤسس، و حارس امين لكل ما يمثله اليمين من سلطوية و تراتبية. يعوض اليمين خسارته النادرة كلاعب بوكر باهر المهارةلست من اتباع اليمين أو اليسار، و لكن محاولة فهم اليمين هي فرض عين في تقديري الشخصي، و إن كنت قد رأيت فيه خيرًا، فإن ذلك لا يقلقني، لأن التعاطف مع اليمين من سمات الشيخوخة، و لست اظنني شائخًا إلي هذا الحد، إلا إذا كان الله قد دبر لي خدعة كونية، لم اكتشفها حتى الآن

5 comments:

citizenRagb said...

بصراحه
ومن غير كلام كتير



شكرا ليك

Muhammad Aladdin said...

شكرا ليك انت يا رجب، شرفتني و نورتني
:)

Anonymous said...

Thanks so much
Very deep analysis
Continue, we are following

Mostafa, Texas

Muhammad Aladdin said...

شكرا جزيلًا علي كلماتك انت يا مصطفي.. لعل تكساس بخير
:)

Anonymous said...

This is very interesting site... »