designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Sunday, August 04, 2013

ثرثرة فوق النيل: البداية


في يوم من الأيام، ذهبت إلى قهوة الحرية، قريبا جدًا من المكان الذي ولدت وعشت فيه في وسط مدينة القاهرة، ووجدتها مغلقة.
كان هذا منذ سنة او أكثر، وعلى الفيس بوك، كتب بعض الناس ان السبب في ذلك هي حكومة الاخوان المسلمين، والهدف هو اغلاق آخر قهوة تقدم البيرة المثلجة في القاهرة، هذا التقليد الذي كان منتشرا في كل انحاء القاهرة، مصحوبا باعلانات البيرة في الصحف وعلى واجهات البيوت، قبل ان تطاردها حكومة ثورة 52 "العلمانية"، وتنهيها تماما اتساع مساحة المحافظة والتدين، التي جاءت من قرويين لم يعتادوا على شوارع المدينة المليونية، ولم يألفوا طرائقها، بل كانت لهم مصدر كل شر.
كانت هذه هي القهوة التي كنت اجلس فيها مع حب حياتي الضائع، ومع نسوة اخريات، وعبرها عرفت كثيرا من الاصدقاء الاجانب، وهي ذات القهوة التي كان جدي يجلس فيها، كما يقولون، مع إيزاك "زكي" مراد، صديقه اليهودي العزيز  ووالد المغنية المصرية الشهيرة، ذات الصوت العذب، ليلى مراد. لم تكن الصورة بهية جدًا ايضًا ايامها، فقد كان الشعب المصري يكتتب لشراء احذية للحفاة المنتشرين في شوارع العاصمة، حتى لو اتسمت بطابع اوروبي عتيد، في جزءها الإسماعيلي، ولربما كان بعضهم يعبر بميدان الأزهار-اسم ميدان باب اللوق حينها- لينظر لداخل الحرية باستغراب ما، وربما بشوق.
هي ذات القهوة التي تعود أن يجلس فيها صديقي العزيز واخي الاكبر-كما يحلو له أن يصف نفسه- بهاء طاهر، ايام ما كان يعمل في الاذاعة المصرية قريبا من قهوة الحرية، في تلك الايام البعيدة حين كان شابا، وقبل أن يهرب من نظام السادات إلى اوروبا، وكان يحلو لي أن اتخيل أن جدي، النبيل المصري العجوز، قد شارك نفس المساحة المكانية والزمانية مع شاب ناصري متحمس، كبر ليكون اديبا كبيرًا، وليصادق حفيد شارد لذات الرجل الستيني ايامها، وشاءت الصدف أن يضرب بذات الولع: الأدب.
المهم، بعد قليل من الوقت، فتحت الحرية ابوابها، وظهر انه الموضوع كان في التجديدات وضبط التراخيص، وهنا تذكرت ان الحرية قد اغلقت ابوابها لفترة قبل ذلك ايضًا، في ايام حسني مبارك، وكان لنفس السبب. وبعد ان فتحت ابوابها في المرة الأولى، كنت مستاءً لأنهم غيروا المناضد القديمة من الرخام البلجيكي البديع (رغم تهالكه) ليضعوا مناضد رخيصة عليها اعلانات لبيرة ستلا (البيرة الوطنية)، ولكنني اعترفت لنفسي بأن الكراسي الآن افضل. لمحت لوحة عليها نجمة واحدة، وراء صاحب القهوة الربعة ذو العينين الحادتين: لقد دخلت الحرية التصنيف السياحي.  
وعندما جلست لأخذ مشروبي من النادل ميلاد، الذي يتميز بقفا خنزيري، متضخم وبديع، نظرت ثانية لثقب الرصاصة في اعلى احدى النوافذ، حين طارد الجيش الناس في الشوارع واطلق النيران الحية هنا وهناك، وقلت لنفسي: سنغلبهم. لم اكن اقصد الجيش وحده، كنت اقصد الدولة القديمة التي كانت تضع لنفسها قناع الاخوان هذه المرة. كنت اقول لنفسي سنغلب الإخوان، لن يستطيعوا أن يغلقوا الحرية.
وبالفعل، منح الاخوان ترخيصا للكباريهات-وليس فقط مقهى البيرة- بثلاث سنوات، واقيمت-للمرة الأولى منذ 52 على حد علمي- جنازة لعميدة الطائفة اليهودية، اضافة لاجراءات اخرى عديدة: لم يكن الأمر للطافة عميقة يبديها الإخوان، بل بفعل ضغط كل فئات المجتمع عليهم، هذا الضغط الذي انفجر في يوم الثلاثين من يونيو.
ولكن، وفي يوم أن رسمت الطائرات المصرية المقاتلة قلوبا في السماء للمتظاهرين في ميدان التحرير، كنت بجوار صديق عزيز لي، وبدت منه ملحوظة عن أن اليوم يبدو أكثر حرارة من ذي قبل، قاطعنا عجوز عابر وقال "الجو زي الفل!". بدا، وبشكل عبثي تماما، أن اي مساحة من الإختلاف قد لا تكون مقبولة بعد اليوم. الفاشية بالنسبة لي هي أن تكون في حجرة مع خمسة من الافراد، وتقول رأيا سياسيا يخصك، فتجد اربعة منهم يهاجمونك بعنف لإسكاتك، بينما يمكن أن يسكت الخامس، فتكتفي بأن تصمت في المرة القادمة أنت ايضًا. في ايام الإخوان، ولو كنت في نفس الحجرة، فستجد أن الاربعة قد لا يتفقون معك تماما، ولكنهم يسمعونك، وقد يصمت الخامس أيضًا.
هذه ليست، مجددا، للطافة يبديها الإخوان، ففهمهم للديموقراطية لا يختلف كثيرًا جدًا عن حسني مبارك، ولكن لأن المجتمع، كما ارادت ثورة يناير، كان يحتفي بالاختلاف، ببساطة لأن هناك توازنات صنعها واقع مصر قبل 30 يونيو، الذي جاء هذه المرة في مديح الدولة القديمة، في مديح الشرطة والجيش واجهزة المخابرات، في مديح الوحدة.
ومنذ ايام قليلة، ظهر الجنرال السيسي، مرتديا بيونوشيه، بهذا الكاب والنظارة السوداء والزي العسكري، وأمر الناس أن ينزلوا ليأمروه بـ"القضاء على الإرهاب". انت لم تقرأ العبارة بشكل خاطئ، ففي مصر ، التي يبدو احيانا انها تمتلك منطقًا يخصها وحدها، يمكن أن تقع مثل هذه الاشكالات المنطقية.
وبالفعل، لبى "الشعب" الأمر، أو دعنا نستخدم لغة السيسي ونقول "الرجاء"، ونزل باعداد غفيرة إلى الميادين، فيما نعرف انه كارت اخضر ليس للقضاء على الارهاب، بل، وبشكل اكثر صراحة أو قسوة: القضاء على الإخوان. وفي ذات الليلة، فض الجيش اعتصام القائد ابراهيم والارقام في الجرائد تتحدث عن ثمانية من القتلى، وجرت اشتباكات في رابعة العدوية ادت لموت ما يقارب من الثمانية وثلاثين إلى مثة وعشرين مدنيًا.
مناخ ارهابي مهدت له عبارات واسلوب في التفكير لا يفرق عن جورج دبليو بوش، وحملة لتشويه من يقفون-او سيقفون- بعيدًا عن الدولة: هم إما "خلايا نائمة" للإخوان (وهو تعبير فاشي بديع)، أو عملاء للسي آي إيه، أو متهتكين، أو-وبشكل اكثر طرافة-قد يكونوا عملاء لأجهزة الأمن المصرية ذاته. لي عمة متحمسة، من مؤيدي شفيق، تخانقت مع صديقة عزيزة عليها عبر اسلاك التليفون لأنها ابدت شيء من الرحمة، أو من الموضوعية، ثم جاء الاتهام الصارخ "انتِ اخوانية!".
في مصر قوتين مهيمنتين، الاسلام السياسي والقومية، يبدو أن الاسلام السياسي قد فقد بريق كثير حتى الآن، ولكن الخوف كل الخوف أن يستفيد من خطاب المظلومية، واعتراف جزء كبير من المثقفين بانهم في صف "الفاشية العسكرية"، ليعودوا اقوى مما كان، وكما كانت اجهزة الأمن "بالغة الذكاء" في تحميل الفاتورة كاملة للإخوان في كل شيء منذ الخامس والعشرين من يناير، فقد نجد من يحمل الفاتورة كاملة للجيش والمخابرات فيما بعد الثلاثين من يونيو، والاكثر طرافة، والمثير للشك في قوى الدولة العقلية، أن تجد تسريبات من بعض المحسوبين عليها تؤيد تدخل الجيش لصنع الثلاثين من يونيو. المواطن البسيط سينظر لرجوع المرافق العامة المعطلة من بنزين وانقطاع متكرر للكهرباء للعمل بشكل منتظم، وسيفهمها بدوره. المؤامرة حقيقة في أرض المؤامرات.
أما القومية، فهي تبرز الآن في الخطاب شبه الناصري لثلاثين يونيو، وتشبيه السيسي بجمال عبد الناصر، وهي تواجه تحديًا في العبور بالدولة المصرية من الفشل، أو، وبشكل يثير القلق، قد تتجه للحكم بمبادئ الإسلام السياسي وليس بجماعاته، لتحصين نفسها بالنسر ذو الرأسين: المادة الأولى في اعلان 30 يونيو الدستوري يقرر المادة 213 التي نزلت انا وغيري للأعتراض عليها تحديدًا: حكم أهل السنة والجماعة. دولة البشير.
في مساء الثلاثين من يونيو، عبر بقهوة "غزال" في وسط بلد المدينة العجوز، رجل مستهجن، نظر لما حوله وقال بصوت عال "هما فرحانين على ايه؟! تقولش كسبنا كاس العالم؟!". وعلى الناحية الأخرى، بعد الثلاثين بقليل وجدت مبادرتين لـ" استكمال ثورة يناير" احداها برعاية أهداف سويف، في بريدي الاليكتروني.
وفي مثل هذه الأجواء، التي يبدو أنها ستلازمنا لفترة طويلة، قد تجد اناسا آخرين، من فئة ثالثة، يكتفون بالجلوس على قهوة الحرية، ليجرعوا البيرة، ويقولون تلك الكلمة الشهيرة، التي كانت لازمة أنيس، بطل رواية نجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل": طظ.
........ ...................................................................................
نشر هذا المقال في الرابع من اغسطس، 2013، بجريدة النهار اللبنانية تحت عنوان "ثرثرة فوق النيل", يمكنك رؤية المقال هنا

Friday, August 02, 2013

كيف يسرق الجيش 30 يونيو?


في مقابلة قريبة مع جريدة مصرية إليكترونية، سُألت فيها شهادة عن ثورة 52، ووضع العنوان كالتالي: "ثورة 52 عبرت عن بعد أصيل في الشخصية المصرية"، بينما سميت شهادة صديقي العزيز نائل الطوخي "مصر تعيش ناصرية جديدة بقيادة عسكري شاب يتحدى أمريكا".
بالطبع هذين العنوانين يعطيان القارئ إنطباعًا معينًا، ولمن سيقرأ الموضوع ذاته، وهم بالطبيعة اقل ممن سيشاهدون العنوان فحسب، فسيجدوا أن كلامي كله قد كان انتقادا عنيفًا لما قلت عنه "ثورة يوليو، أو انقلاب يوليو العسكري"، ولكنني ومن باب ادعاء الموضوعية قلت بالفعل أن يوليو عبرت عن جانب اصيل في الشخصية المصرية، هي لم تجئ الحكم على باراشوت، ولكنها غذت هذا الجزء ودعمته. صديقي العزيز نائل الطوخي قال كلاما شبيها ولفظ ناصرية بالنسبة له لا يحمل التمجيد الذي يفترضه سياق العنوان. المهم كلانا يرى ان  30 يونيو قد تكون شبيهة بيوليو، وهو المطلوب اثباته والسلام، بدون السؤال: أهذا جيد أم لا؟!
اثق في الصحافية الصديقة لأنه قد تم نشر شهادتي وكلام نائل بكل أمانة، ولكن الديسك هو الذي اختار العناوين، التي تتسق مع "سياسة المكان التحريرية"، كما تخبرني خبرتي بالصحافة.
بالضبط مثلما يظهر اللواء سامح سيف اليزل ومن شابهه على شاشات وصفحات الإعلام مع 30 يونيو، حتى قبل دعوة السيسي للتظاهر، ليؤكد على انها “ثورة الجيش".
الذاكرة الجمعية تفيد في مثل هذه الأمور الذي تتغير فيها المواقع بسرعة الصاروخ، فمثلا بقت تمرد حتى إنذار الجيش في 30 يونيو كحركة تدعو لاجراء انتخابات رئاسية مبكرة، اي بوضوح داخل دائرة الدستور والاجراءات الديموقراطية: حتى في صيغة بيان الجيش الذي خلع به المرسي، كان التركيز على "انتخابات رئاسية مبكرة" في نفس الوقت الذي "علق" فيه الدستور ولم يُلغى. عبث قانوني معتاد من الدولة المصرية.
على العموم، اقصد أن هناك الملايين قد وقعوا من اجل انتخابات رئاسية جديدة، وملايين وقعوا على أمل اجراءات ثورية انتعشت آمالها بتسريبات الصحافة فيما بعد بيان الجيش الأول في شهر يونيو ثم بعد الانذار نفسه، وهناك مجموعات داخل هذه المجموعة رهنت موافقتها على الاجراءات الثورية بتنفيذ شروطها التي لن تكتمل لدونها، وهي للبعض علمانية للدولة، وللبعض تركز على القصاص، وللبعض على القضاء الكامل على الإخوان من باب ثورية القرن الثامن عشر، اجمالا، نستطيع أن نقول أن جزءًا لا يستهان به من الثوريين هؤلاء يركزون على اعتبار الاخوان و المؤسسة العسكرية خصمين.
يمكن أن يدفع هنا بحزب الكنبة الذي يحب الجيش حبًا جمًا، وجزء لا يستهان به من الفلول يشاطرهم ذات الشعور، وأن هذه الجماهير نادت اساسا برجوع "الدولة القديمة" فيما يمكن توصيفه بثورة مضادة حقيقية،وأن الثوريين بالوانهم المتعددة لم يكونوا مؤثرين حقًا فيما يحدث.
حسنًا، الكلام عن رجوع الدولة القديمة حقيقي ولكن ليس إجمالا:  أولا ما يسمى بحزب الكنبة لا يمكن نسبته كله للجيش، ارجو ألا ينسى من يقولون بذلك أن جزءًا كبيرًا من "الكنباوية"، المنتمين في قسم كبير منهم للطبقة الوسطى كما نفهمهم، لا يجدون هوى عميق لدولة قومية ستينية، ولديهم ميل غربي واضح، وهي نقطة مهمة امام خطاب الجيش القومي المعادي للولايات المتحدة والغرب عامة في كلاسيكية تاريخية. الحديث عن "رجوع دولة مبارك"، أي الدولة البوليسية الليبرالية اقتصاديًا وارد جدًا هنا، ولكن ليست دولة ناصر الستينية كما توحي اشارات وتسريبات عن هوى الجيش، بالنسبة لهذه الشريحة.
 لقد مشيت في مسيرة لما سمي تندرا بـ"الثوار الانقياء"، وهي المسيرة التي كانت ضد العسكر والإخوان، ورغم التندر، ومخاوف الاعتداءات المدبرة علينا سواء من الاخوان أو من الدولة القديمة، فقد كانت مسيرة ضخمة لا يصل مدى البصر إلى آخرها، حياها الناس العاديون "الكنباويون" من النوافذ، والقوا لها بزجاجات الماء، رغم الهتاف الواضح ضد الصنوين العتيدين لمتاهة مصر الإغريقية.
قبل مظاهرات 30 يونيو اتفقت تمرد على اعتماد "الشعب يريد اسقاط النظام" كشعار رسمي، وفي اثناء المظاهرات السابقة لقرار الجيش عزل المرسي، كانت الهتافات لتأييد الجيش والشرطة تردد باستحياء، ولا تتكرر كثيرًا لوعي من الناس بضرورة عدم الشجار، والبديهي أن تجنب الشجار يعني أن هناك فرصة جيدة له.
حتى بعد انتهاء مهلة الجيش، وانتظاره لساعات ثلاث قبل اصدار بيانه، كنت ارى من الناس من هم اشد مؤيدي الجيش يبدأوا في التوتر ويهددوا بأن الجيش سيكون خصمًا إن لم يتحرك، ساعد في ذلك أن موقف الجيش كان ملتبسًا حتى في بيانه الأول، لقد استخدم لغة يمكن لكل جماعة ان تفسرها على هواها. يمكن تفسير هذا بخداع تكتيكي نفذه الجيش لتضليل الإخوان، أو ببساطة اختلاف للرؤى في الجيش تحرك حسمته الساعات الأخيرة: يمكن النظر لمقولات السيسي عن "عروض الجيش الاخيرة للمصالحة واجراء استفتاء" على انها اخبار صحيحة تعبر عن رؤى متعددة داخل الجيش، وليس فقط لتحميل الطرف الأخر كل المسئولية.
في اشتباكات ماسبيرو، تصاعدت النقمة من محبي الجيش عندما تأخر في التدخل، وكان واضحًا ايضَا أن اي بطء من الجيش يمكن أن يفجر غضبًا عليه حتى من اشد مسانديه: عندما جاءت اربع مدرعات تابعة للجيش بعد الاشتباكات، لم يتجمع حولها سوى ثلة بائسة بصور السيسي وانا اتكلم عن الوضع في حينه بالطبع.
على كُل، الهدف من توضيح ذلك هو أن نقول أن حتى بعض محبي الجيش من الناس العاديين قد تحركوا لما يريدونه، دون النظر لما يريد هو.
أما الثوريين، فقد انتعشت آمال الثوريين الذين يؤمنون بحق الثورة في "خلق" مجتمع ودولة جديدان، وبعض الثوريين الديموقراطيين الذين يفهمون الثورة على انها "فرض" لشكل محدد لدولة على مجتمع، مع بعض الثوريين الديموقراطيين الذين يؤمنون بحق الثورة في "عرض" شكل دولة على مجتمع، عندما تسربت اخبار عن ان الرئيس القادم سيكون شرفيًا، وأنه ستكون هناك حكومة للثورة بصلاحيات رئيس الجمهورية، مع صيغة لمجلس الأمن القومي لسنة 68، واكاد ازعم أن بعض لا يستهان به من هؤلاء-وانا منهم- داخلهم الشك الكبير ايضًا في أن يوفي الجيش بهذا الاتفاق، ورأوا أن صيغة "مجلس رئاسي مدني" هي الاصلح إن كان المسار ثوريا، اي بما يتعدى الدستور والقانون. واستطيع أن اقول بحزن أن هؤلاء الناس على حق. أي، لمرة أخرى، كان هناك قطاع واسع من الناس التي لا ترى في الجيش حاكمًا لمصر.
بل أن المفارقة تأتي من أن الثوار الذين ينتقدون شعار "يسقط يسقط حكم العسكر" بداعي أن "العسكر لن يحكموا ثانية"، هم من يدعون الآن، ومنذ امد بعيد، إلى احتمال الفاشية العسكرية. المفارقة تأتي أنه حتى لما يحاول الجيش تصويرها على انها "ثورة الجيش" من طرف خفي، كان هناك حرص تام على أن يؤكد في بداية المرحلة ان "الجيش لن يحكم ثانية"، و"هو لا يحكم"، ليس فقط لارضاء الاطراف الخارجية، وهو شيء مهم بالطبع، بل لاجتذاب كتلة كبيرة من الثوريين إلى المظاهرات أيضًا واسكات من يحاولون تصويرهم بـ"راديكاليين".
وبتقدم الأيام، ورغم الاتفاقات،اصبح واضحًا بالاعلان الدستوري، وتشكيل حكومة لا تنتمي للثورة كرئيسها واغلب وزارئها، ورئيس بصلاحيات اوسع من صلاحيات مرسي، واستبعاد البرادعي إلى منصب نائي الرئيس ومحددا بـ"العلاقات الدولية" فيما يشبه وضع محمود مكي، الذي كان-وياللطرافة-نائبا لرئيس الجمهورية دون تخصيص ملفات بعينها، اصبح واضحًا أن الجيش يختطف 30 يونيو، بل يقوم بالهجوم المعاكس على “اعداءه”، ليس فقط الإخوان الذين لم يعودوا يأملوا إلا في "الخروج الآمن"، بعدما انتهوا سياسيا منذ أمل بعيد بدأ بإعلانهم الدستوري، بل على ثوار يناير اساسا.
والآن، وبعد دعوة السيسي، يبدو وكأن الجيش يصر اكثر على تأكيد نسبة 30 يونيو له،بعد قصف مدفعي مكثف من اعلامه، يزداد في كل يوم. النتيجة المنطقية تبعا لهذا هو اخصاء الثوريين المختلفين معه، سرقة تفويض من عتاة الكنباويين، والحصول مرة اخرى على تأييد مشروط من بعض الثوريين يستخدمه لمرة ثانية كمطلق. وفي مجتمع تحكمه نظرية المؤامرة، اكبر خطر على اي ثورة هو ان تقتنع الجماهير-سواء بناءً على توجيه معنوي، أو على طبيعتهم البارانويدية اساسا- بأن ما حدث نتيجة "مؤامرة داخلية", هذه فكرة سرت بعد ثورة يناير واثرت تماما في زخمها ولكنها لم تفلح في خنقها، أما في يونيو فالخوف أكبر، ليس مؤكدًا، ولكنه بالتأكيد أكبر.
اكبر دليل على أن مصر تتحول لما يمكن أن يسمى بـ"الفاشية الحمقاء" هو تردد الملايين من الثوريين الذين يرون كلمات "الميدان الثالث" معبرة عنهم في الانضمام له، لأن الصورة هي أن من في الميدان الثالث هم "إسلاميين". يمكننا ترديد اسماء واشخاص ليسوا اسلاميين انضموا للميدان، مما يتم تسميته حاليا بـ"الخلايا النائمة" في فاشية اخرى بديعة، ولكن ليس هذا الهدف، الهدف هو التنبيه أن الثوريين قد تخلوا عن خطابهم هم بالاساس،بل بعضهم يدينه بشدة، منذ "الثوار الانقياء". خطأ فادح اولا ان حولوا هؤلاء  إلى  "راديكاليين"، ثم ثاني اكبر خطأ فادح في ان يحطمون هم انفسهم هذه "الراديكالية" في انحياز للدولة القديمة، التي ما انفكت تنقض اي تفاهمات أو اتفاقات عقدتها معهم، فيجيئون لها بلا انياب أو اظافر، ويتحولوا من ثوريين إلى موظفي دعاية وعلاقات عامة، ثم يتم تجاهلهم بعد انتهاء دورهم.
الجيش يشن حروبا قذرة حاليا ضد معارضيه، وسيستغل حتى انسانيتهم في تبرير أي اتفاق قد يبرمه مع قطبه التاريخي أمام ثوريي القرن الثامن عشر الذين قد يخيب املهم فيه، فيلوموا المعارضين. هذا التوازن في حد ذاته يثبت أن 30 يونيو كانت تلاقى لاطياف متعددة التوجهات مهما اختلفت نسبتها، وأنه لا يوجد طرف وحيد يمكنه ادعاء ملكيته، ولكن الجيش يتصرف كما فعل ذلك المحرر في الجريدة الأليكترونية: الايحاء بالاتفاق مع الرؤى الرسمية، رغم كل التناقضات.
 الجيش يسرق 30 يونيو بخطا متزايدة ويحصل على تفويض شعبي، واكبر خطأ يقع فيه الثوار هو التسليم له بذلك، لا الضغط عليه، أو حتى معارضته.

Wednesday, July 31, 2013

الشمس..



الشمس،
هي ذلك الجحيم،
الذي يلقى فيه بكل محبي الحياة..
والنزق..
واصحاب الخيانات الصغيرة،
لتنبت فوق الأرض اشجار جديدة..


Thursday, July 25, 2013

رعب الثورة المضادة


ما حدث في مساء الثلاثين من فبراير لا يمكن وصفه بالانقلاب العسكري إذا ما اخذنا في الاعتبار السيناريو الذي حدث في مساء الحادي عشر من فبراير، أو ببساطة يمكننا وصفه بالانقلاب العسكري إذا ما استرجعنا كلمات الجنرال سليمان، الذي قال حرفيا قبل ايام معدودة من الحادي عشر من فبراير: "القادم هو انقلاب عسكري، وقد يكون للأحسن أو للأسوأ".
كان ما حدث في الحادي عشر من فبراير للأسوأ من وجهة نظر الجنرال، لذلك سماه بالانقلاب العسكري، وبالطبع، فللثوريين الاصلاء، ما يحدث في الثلاثين من يونيو هو للأسوأ، لذلك تم وصفه بالانقلاب العسكري، رغم انهم قد وصفوا ما حدث في الحادي عشر من فبراير بـ"الثورة".
اظن ان الفارق الاكيد في ما نادت به الحركتين الكبيرتين، فقد كانت ثورة يناير في مديح الاختلاف، بينما كانت الثلاثين من يونيو في مديح الوحدة. ثورة أولى تغنت بالديموقراطية، وحقوق الانسان، وحرية التنظيم السياسي من اي نوع، وحاسمة تماما في رفض "الدولة القديمة" ومؤسساتها لا سيما الامنية والعسكرية منها، بينما حملت الثلاثين من يونيو مطالب استعادة تلك الدولة وتقويتها من "الخطر الاسلامي" (وكأن هذه الدولة قد انتهت فعلا)، وداخلها اضمرت كراهية عميقة لديموقراطية "الزيت والسكر" التي اتت بالاخوان المسلمين، ومدح غير محدود لمؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية التي لم يتم هيكلتها ابدا، بل ان الدعوات تصاعدت بضرورة رجوع جهاز أمن الدولة القديم بشراسته المعتادة (وكأنه قد حل فعلا)، وضرورة رفع الانفاق العسكري حتى. يجب ان نذكر هنا انى انا شخصيا، وملايين غيري كثيرون، قد دعموا تمرد ووقعوا على استمارتها، وانضمت انا إلى مسيرة "الثوريين الانقياء"، كما تندر بعض اصدقائنا، لأنها واضحة في رفض الدولة القديمة والاخوان معًا، ولكن التندر في حد ذاته، ومبدأ أن الأمور بخواتيمها، يعني انه بالفعل المنتصر هو الدولة القديمة.
تبدو خريطة يوليو افضل من يناير في تقديم الدستور على اية انتخابات، ولكن مع مادة تشرعن مذهبية الدولة ومواد اخرى تؤكد مكاسب المؤسسة العسكرية وسلطات واسعة لرئيس جمهوريتها، ومع مجتمع منهك وخاف من اعداء داخليين وخارجيين، فالنتيجة قد لا تكون جيدة فعلا.
هناك نوع غير قليل من الارتباك هنا، ولفكه يجب أن نقول أن انهيار الاخوان السياسي كان في سلطويتهم الداخلية التي لا تفرقهم ابدا عن المؤسسة العسكرية واغلب النخب الاجتماعية من ثقافية وسياسية، وتراجعهم عن برنامج طموح لتحديث الدولة، بل وسعوا لاحتواء ذات الدولة داخل عباءتهم، ورضخوا للعسكريين ومنحوهم سلطات اكبر في بداية لهزيمة محققة نالوها في الثلاثين من يونيو. وبعد اعلانهم الدستوري في نوفمبر الماضي، والذي يرسخ لحكم منفرد من الجماعة ومندوبها في قصر الاتحادية الرئاسي، انضم الثوار اليساريين الديموقراطيين والليبراليين للحرب ضدهم بشراسة اكبر.
والأزمة الحقيقية في مصر الآن بدأت منذ ثورة يناير في الحقيقة، فقد كان جزء من الثوريين، لا سيما الفاعلين في الاعلام واكبر الداعين ليناير، من مؤيدي "السلطوية الصالحة"، لذلك لم يكن انضمامهم لجوقة مناصري نظام مبارك المهاجمة للإخوان بالشيء المفاجئ والعجيب لأي مدقق، كما انهم متصالحين لدرجة بعيدة مع خريطة المصالح الاقتصادية لمناصري مبارك. تلك المصالح الاقتصادية التي باتت مهددة تماما بصعود "عصابة" جديدة مهما كان انتمائها الايدولوجي.
المشكلة الثانية هي ان نخبة شباب ثورة الثلاثين من يونيو، واقصد حركة تمرد، تبدو كحركة ناصرية لمدى بعيد، واستلهام النموذج الناصري، بكل ما فيه من قمع للحريات الفردية والسياسية ولكن بشكل ضمني هذه المرة، يشكل تهديدا اكيدًا لنخبة ثورة يناير التي آمنت بعكس النموذج الناصري في هذه النقطة تحديدا.
المشكلة الثالثة، والتي تكمل حالة التناقضات المريعة هاهنا، أن سلوك العسكريين في المدى البعيد يبدو وكأنه لا يتجه إلى نموذج عبد الناصر بقدر ما يتجه إلى انموذج البشير، يتجه لمحاربة السلفيين كجماعة ولكنه يتبنى افكارهم في اعلانه الدستوري. يبدو المستقبل وكأن الجنرالات سيعمدون للحكم بالنسر ذو الرأسين، ليس فقط كاستعارة ادبية، بل بتصاعد حالة الغزل بينهم وبين الروس والصينيين. هكذا قد يدخل العسكريين في صدام قوي مع بقايا نظام مبارك امريكيي الهوى ليبراليي التوجه الاقتصادي، وهو الشيء الذي قد يثلج قلب حركة تمرد، ولكن الحقيقة ان نذر الحرب بدأت بينهم وبين العسكر مبكرا حالا في القاهرة حول الاعلان الدستوري وتشكيل الحكومة، من المرجح ان يسكت العسكر عليهم قليلا لاستخدامهم في معركتهم مع السلفيين كجماعة، كما اسلفت.
المشكلة الرابعة ان الدولة القديمة قد بدأت في حرب شرسة تجاه الليبراليين واليساريين في وسائل الاعلام، حرب تكمن قذارتها في كونها تنحو لاتهام كل مطلب لاعادة تشكيل الدولة باعتباره مطلبا اخوانيا، وان من يروج لهذا، أو يعترض على صيغة الاعلان الدستوري وتشكيلة الحكومة، وضبط العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة، من غير الناصريين على انهم "خلايا نائمة"، وهو مصطلح امنى فاشي بامتياز، ومن ينجح في تخطي الاتهام بكونه من فلول نظام مبارك، أو من خلايا الاخوان النائمة، أو من عملاء السي آي ايه، قد يوجه بكونه مريضًا نفسيا أو متهتكا اخلاقيا.
الخوف الأكبر على مصر الآن أن تتحول لدولة قومية دينية، سواء مرورا بالسيناريو الجزائري أو لا، فقد دخلت مصر بالفعل في نفق "الحرب على الارهاب" المظلم التي عرفته في تسعينيات القرن الماضي في ظل فاشية اعنف، وقد يستخدمه الجنرالات وعتاة العلمانيين في ايقاف اي عملية انتخابية ديموقراطية كما حاولوا في 2011.
والدولة التي اقنعت شريحة واسعة تماما من المصريين أن كل ما عرفته ثورة يناير من عنف إلى الثلاثين من يونيو هو من فعل الاخوان المسلمين وليس غيرهم، فمن السهل بعد خمسة اعوام، أو عشرة، أو خمس وعشرين، أن يأتي الاخوان المسلمين أو ورثتهم ليقولوا أن كل ما حدث في الثلاثين من يونيو وما بعده من احداث عنف وتعطيل للمرافق العامة ومذبحة الحرس الجمهوري هو من تخطيط الجيش والمخابرات.
فشل ثورة يناير، وفشل الآملين في يونيو، أن الخناقة قد اصبحت على قائد العربة، التي اصابها مزيد من العطب والتشوه، لا على تغيير العربة ذاتها.
وعلى الناحية الأخرى، فنظريا هناك باب للأمل، فالثورة الفرنسية مرت بجمهورية القناصل، ثم وصلت للأمبراطورية ذاتها وليس فقط الملكية، فالرهان على ان ما يحدث هو تطور طبيعي للمجتمع المصري قبل استنفاذ آخر دعاوي الدولة القديمة في الحكم شيء منطقي ووارد جدا.
وعمليا، الأمل هاهنا يأتي من اجيال قادمة، واجيال حالية شاركت في الحركتين. فبوجهة نظر ما، فما حصل في يناير هو اكبر عملية عبور قصري للطبقة المتوسطة العليا والوسطى إلى الطبقة العليا، اجيال اليانج بروفشنالز وغيرهم، الذين رغم كون مصالحهم مرتبطة بالنظام، ولكنهم كانوا اول من ثاروا ضده ليأسهم من اي نمو تحت عصابة متحكمة في كل شئ. والحرب التى حدثت ما بين يناير ويونيو، هي ببساطة هذا التحالف العجيب بين الطبقة العليا والدنيا ضد المتوسطين: الأولي عصابة تدافع عن ممتلكاتها، والثانية تعرف ان هؤلاء المتوسطين سوف يبيعونهم دونما رحمة، بعدما هزوا استقرارهم لسنتين ونصف.
الأمل في ان هؤلاء المتوسطين، بصرف النظر عن كونهم علمانيين او دينيين او بين بين، سوف يكملون مسيرة اختراقهم للمجتمع، ومن في مواجهتهم دولة سماها الثوار دوما "دولة العواجيز".  ودور المنظرين من الليبراليين واليساريين الديموقراطيين هو صياغة برنامج واحد لمقاومة الفاشية اي كان نوعها أواسمها، وبداية الطريق هي تغيير بناء الدولة المصرية اجمالا.
قال لي قريب عشريني، دافع عن مبارك في موقعة الجمل، وانحاز دوما للجيش، "إذا ما ابعدوا الشباب هذه المرة فلا ثورة هنا".
 والأيام القادمة كفيلة بنفي ذلك أو بتأكيده.
..............................................................
مقال كُتب من اسبوعين.

Monday, July 22, 2013

الوطن الانتقالي


نحن في غمار المرحلة الانتقالية من عهد لعهد ومن رئيس لرئيس، لا توجد مبالغة في الأمر ليس لدواعي الزمن واحكام البيولوجيا (الرئيس مبارك في اربع ارابيع ربيع العمر)، ولكن ببساطة لأن مصر أساسا في فترة انتقالية دائمة، من بلد محتل لسلطنة تحت الانتداب لمملكة تحت ذات الانتداب لحكم مؤقت لضباط ذوي حلل عسكرية ثم حكم مؤقت من ضباط خلعوا الملابس العسكرية. من ليبرالية انتقالية لشمولية انتقالية لحرية نباح انتقالية، من تعليم غير مجاني انتقالي لتعليم مجاني انتقالي لانعدام تعليم انتقالي، من دستور انتقالي لدستور دائم انتقالي إن لم يتغير بتعديل تعطل بحكم طوارئ انتقالي أيضًا. وتخيل المفكرين الانتقاليين (من علماني لإسلامي ومن يميني ليساري وحتى من فوق إلى تحت) بالإضافة لكل "الانتقاليات" لتدرك أن الضحية الدائمة في كل عهد وفي كل رئيس هو ببساطة كل جيل يضطر إلى تعليق أحلامه على مشجب الديمومة المنتظرة ليكتشف بحكمة السنين في النهاية أن الدوام لله وحده. حتى الأحلام لا تتغير وفي مواجهتها شيء انتقالي ما لا يتغير أيضًا، والحل هو الحشيش أو الكحول أو الانتحار أو محاولة الهرب أو العادة السرية (الجنس أصبح لذوي الحظ الحسن) وسيقولون لأنفسهم هذا حل انتقالي أيضًا، ربما سينقلبون لتدين البعير الذي يحمل أسفارا ووقتها سنقول نحن لأنفسنا أنها فترة انتقالية بالطبع. حتى عندما تزدهر مبيعات الكتب ولو بقليل فسيدرك بعضنا أنها فترة انتقالية، بالضبط كما نعتبر الدنيا بحالها دار شقاء ننتقل بعدها للدار الآخرة فلا نقابل لا رفعت السعيد ولا صفوت الشريف ولا ممتاز القط ولا حتى عبد الحليم قنديل. أو ربما نشك في ذواتنا كمرحلة انتقالية لم يكتشفها دارون ما بين القرد والإنسان. مواطنون انتقاليون في وطن انتقالي كالعابرين في كلام عابر على رأي محمود درويش. مات درويش واستراح ولكن هذا الوطن سيعيش، وللأسف هذه هي المشكلة.
.....................................................
مقال كتب في 2010 ورفضت الشروق نشره، وبعد سنتين من ثورة عارمة انشرها كما هي، لأنها ما تزال صالحة، للأسف..

Friday, June 14, 2013

مقادير

تماما،
كربات البيوت الطيبات،
يجلس الروائيون ليكتبوا في مفكراتهم
مقادير صنع الروايات،
وكاغلب الوصفات البديعة، والغريبة،
فهي لن تصنع ابدًا،
وسيأتي ابناء يستغربون، دومًا
مثل هذا الولع الغريب..

Sunday, June 02, 2013

موسم الهجرة إلى أركيديا


كان حبًا من أول نظرة.
لا يسعنا أن نضع توصيفًا أفضل لهذه اللحظة، عندما شاهد الأسطى حمزة هذا الجاكيت الجلد البني الغامق-والذي يسميه الناس احيانا بـ"المحروق"-وهو يلتف بإحكام حول جسد زبون قادته الصدفة، أو حظ الأسطى حمزة السعيد أو العثر، إلى ورشته الصغيرة بقرب النيل.
يفسر بعض الناس موضوع "الحب من أول نظرة" هذا بـما يسمونه "الكيمياء" ما بين كائنين، أو بشكل ابسط "الاشتهاء الجنسي". تبدو صورة "الكيمياء" بين رجل وجاكيت مبلوعة نوعًا- إذا ما تذكرنا ولع بعض الناس بقداحاتهم مثلا، ومبدأ نفسي هام يسمى الاسقاط- ولكن صورة ممارسة الجنس مع جاكيت تبدو بعيدة، نوعًا.
ومن ناحية أخرى، فقد اختبر صبيه لوزة هذا النوع من الحب المشبوب العفوي "الفطري" مع رفيقة صاحب الجاكيت، تلك الحسناء ذات الصدر الثقيل، الذي يلتف حوله "تي شيرت" قطني بإحكام لا يقل عن الجاكيت الذي يرتديه صاحبها، ومؤخرتها المستديرة المتماسكة، التي اتشحت بجينز ازرق غال الثمن، وذلك صار منافسًا للجاكيت في نقطتين اساسيتين. قسمة لم تبد عادلة لأغلب الملاحظين، ولكنها بدت عادلة تماما في نظر الاسطى حمزة المسحور: لقد احب صبيه لوزة-شأنه شأن كل من بالمنطقة- تلك الحسناء القادمة من العالم البعيد القريب وراء الكوبري، بينما هام الاسطى عشقًا بهذا الجاكيت.
ولكُل مبرراته، وإن اتفقت فعلا: فبينما أحب لوزة هذه الصفات الفيزيائية البارعة في الفتاة، فقد أحب الاسطى هذا الجلد الناعم للجاكيت، وجيوب الصدر اللطيفة على شكل قلوب (مما ذكره بشكل جيوب جينز الـ"لي" المشهورة بين جيله)، وذلك السّحاب ذو المقبض الذي لا هو بالكبير  ولا بالصغير، منحوت بعناية ولامع بجلال، وتلك الاساور القماشية المطاطة قليلا، والتي تحيط برسغي الزبون وبوسطه، الخيوط القوية التي تظهر بلا تفاخر مقصود، شادة اجزاء الجاكيت إلى بعضها البعض، وذلك السير الجلدي ذو "الكباسين" الذي يحيط بالياقة المشرعة.
كُل من العاشقين له اسبابه الفيزيائية للولع بمحبوبه، ولكن هناك ايضًا شيء مهم نرمز له بـ "الجلال" في محاولة لتجاوز البعد المادي في قيمة "الغال". بالفعل كانت  الحسناء تصدر قيمة الجلال من منظارها الغالي الذي اشاحته بعيدًا عن عينيها الواسعتين بلون العسل، وماكياجها المتقن، وشعرها الذهبي المنسدل في خصل متماوجة، وأيضًا كان الجاكيت يُصدر ذات القيمة، في عيني الأسطى حمزة الولعتين.
وللأمانة فقد حاول الاسطى التخلي عن هذا الولع، وأن يركز كل تفكيره على تصليح سيارة الزبون الالمانية الانيقة التي رقدت بلا حراك بالقرب من ورشته، إلا أنه، وفي لحظات يعرفها المغرمون جيدًا، كان يختلس النظر إلى محبوبه الجديد. حاول الاسطى ذلك مجددا بعد مغادرة الزبون، الذي كان مقطرًا في الحساب، بهذا الشك الموضوعي في اؤلئك الحرفيين الذين يمدون ايديهم في جيوب الزبائن الموسرين، وكالعادة لم يفلح فعليًا في تجنب المبالغة في أجر الخدمة، ولكنه نجح، وبامتياز، في الشعور بالفخر والرضا عن نفسه، وهذا-فيما يبدو- هو المهم.
حاول الأسطى أن ينسى حبه الضائع، وبينما كان الناس في منطقته بتكلمون عن رفيقة الزبون، كان هو يسأل باهتمام عن المكان الذي ابتاع منه الزبون الجاكيت. كان يحاول ألا يتذكر أنه قد سأل الزبون عن ذلك، إلا أن الزبون قد رماه بنظرة تحمل استهانة ما، ولم يرد. حدّث حمزة نفسه أنه كان لابد عليه ألا يجفل- كشأن الشعبيين حين يتعاملون مع ابناء الطبقة الراقية- ويصمت عن الموضوع تمامًا. ابتسامة الزبون الضيقة المستهينة بسؤاله كانت شيئًا لم يستطع احتماله. إلى أن فطن أحد الاصدقاء على القهوة الصغيرة في ركن الحارة إلى لوعته وعذابه، وهو شاب اصغر منه، لم يكن أبنًا لميكانيكي يورثه ورشته، فعمل كـ"خرتي" ومرافقًا للأجانب في منطقة وسط البلد القريبة، وبذلك صارت وحوش هذا العالم أليفة له. كان الخرتي الصغير مارًا بالصدفة حين عدت الحسناء ورفيقها، بالطبع لفتت الحسناء نظره، ولكن الجاكيت استرعى انتباهه أيضًا بحكم اهتمامه المبرر بالمظاهر. قال له أن مثل هذه الجواكت ستكون في أماكن مثل سيتي ستارز، أو متجر "بايمن" بفندق الفور سيزنز، أو في اركيديا أو في بعض المحلات المستقلة بذاتها في شوارع الجزيرة القريبة، أو على الشط الآخر من النهر.
كانت النقطة الأساسية عندما سأل الخرتي الشاب عن سعر جاكيت كهذا، فرد الشاب بلهجة تماثل ملك الموت بأنه لا يقل عن الخمسة آلاف جنيه، إن لم يزد عن ذلك بكثير. لم تكن المسألة في فقر مدقع يعيش فيه، فقد كانت "مستورة والحمد لله" كما يحلو له أن يقول، ولكن كمنت المشكلة في ولع سابق له بتحديث فخر المنطقة، فسبا ابيه القديمة نوعًا، وإن تكن 200 سي سي ايطالية فاخرة، والتي ورثها عنه كصولجان الحكم. احتاجت الجميلة التي تعديلات وتجديدات، هذا من وجهة نظره على الاقل، بينما لم تشاطره نعيمة زوجته الرأي، ورأت أن الموضوع – الذي كلف ميزانية البيت رقم يتعدى الآلاف سابقة الذكر-لم يعدو سوى تفاهات يغرق حمزة بها نفسه، و"منظرة كدابة" في حكم قاسي من كلمتين، لم تملك الكياسة الكافية لكتمها عن حماته، أو ربما قصدت التجريح أمامها أساسًا.
بالطبع ترى نعيمة أن الأولى بالرعاية هو وليدهما الجديد محمود، الذي انجباه قبل اشهر ثلاثة، ليؤنس ابنتهما خديجة- التي سمتها على اسم امها-والتي بلغت الخمس سنوات وتلعب وحيدة. وبالطبع أيضًا فهم حمزة أن الموضوع ليس الونس فحسب، بل أن "يُربط" بطلقة جديدة، كتعويض عن شعور نعيمة بعدم الأمان في علاقتهما، نظرًا لأنها تدرك أن المضاجعات السريعة فوق سطوح بيته بما فيها من تلهف قابل تمامًا للإنطفاء بطول المعاشرة، هي السبب الأساسي لارتباطهما. وعندما أتى أبن ذكر، كان هذا كفيلا بكتم اعتراضات حمزة المكتومة، ومنح شيئًا لا بأس به من العزاء لذلك الشعور القاهر الذي انتاب حمزة بالسجن المؤبد.
وهكذا، وقع حمزة في حب عظيم، وككل قصص الحب العظيمة فقد توافرت كل الأسباب المنطقية لجعله حبًا بعيد المنال، وربما محرمًا. حاول، لمرة جديدة، ألا يشغل نفسه بالمسألة، وانخرط في اعماله اليومية المعتادة، وترك جزءًا من نفسه يحادثه بأنه عندما ينمو الرضيع، وعندما تنسى نعيمة موضوع الفسبا، وعندما يتوافر لديه مبلغ كبير لا يحتاجه، عندئذ سوف يبتاع هذا الجاكيت، محبوبه الأثير.
وكعادة كل قصص الحب العظيمة أيضًا، فلم تخل المسألة من صدفة تالية تطابق الصدفة الأولى، فقد قادته الظروف إلى اركيديا مول، غير بعيد جدًا من ورشته، ليُصلح عربة مدير لأحدى الشركات في المول الكبير. كان الباشا قد ضاق ذرعًا بما سماه "تعزز" و"غرور" ميكانيكيه المعتاد في المنطقة البائسة وراء المول، واستمع لنصيحة رجل يعمل معه، بأن يقصد ميكانيكيًا آخر ليصلح عربته التي تعطلت في جراج المول بعدما قال ميكانيكي المنطقة أنه لن يستطيع الحضور إلا بعد ساعتين. كلم مرؤوس الباشا احد اصدقائه، والذي اشار عليه بحمزة- والحق أن حمزة ذو سمعة طيبة في مهنته- وتولى أمر دعوة الميكانيكي الجديد ليأتي إلى المول.
وعندما اصطحب حمزة حقيبة أدواته، ومعه صبيه، وانطلق في طريق الكورنيش، داخله توتر لم يعرف مصدره، ولكنه قال لنفسه انه "فيه شيء لله" بعدها بساعة زمن، بالضبط حين استقل هذا المصعد العجيب، الذي بدا له ككبسولة مضاد حيوي شفافة، في طريقه لأخذ حسابه من الباشا في الدور العلوي. لم يأمن الباشا أن يترك أحدًا ليحاسبه، ولكن يجب أن نقول، عوضًا عن موجات انتقادنا الشرسة لدوافع الشخصيات ومن باب الموضوعية، أن الرجل انتوى فعلا دعوته لفنجان من القهوة أو بعض الصودا الساقعة، والذي لم يشك ابدًا في سعادة الاسطى بذلك العرض، لذا كانت دهشته شديدة حين ألحف حمزة في الرفض، مما نزعه من دائرة "التمنع وهم راغبين"، والتي يضع فيها الرجال النساء فيها تارة، ويضع فيها الاغنياء الفقراء تارة أخرى. أصر الاسطى على الرحيل عن المكتب الفخم. كان متعجلا تمامًا (إلا أن استعجاله لم يمنعه من عد النقود جيدًا)، وتجاوز عن اعتراض مكتوم لصبيه الذي كان يتمنع وهو راغب فعلا في صودا ساقعة، أو امرأة ساخنة بيضاء قد تعبر بالمكتب بين فينة وأخرى كعميلة أو كموظفة، بجوباتهم القصيرة نسبيًا، وامارات "الجلال" الواضحة في مظهرهم.
مرة أخرى اتفق الاسطى وصبيه على حب الجلال، ولكن حب الصبي كان يدفعه للبقاء قليلا وتجريب الحظ، بينما كان هو بالضبط دافع حمزة للرحيل سريعًا، فقد حدث، بينما هو في كبسولة المضاد الحيوي الشفافة، أن رأي حب مرحلته معلقًا في واجهة متجر فخيم في الدور الثاني من المول. لابد وأن نعترف بأن قانون الصدفة قد لعب كثيرًا من الأدوار في هذه القصة، لأنه لولا تعطل المصعد الخلفي للجراج ما كان حمزة ليُسمح له بدخول المول بملابس عمله، وهي ذات الملابس التي منحته نظرة متعالية اخرى من البائع الذي نسى أنه بائع وهو يجيب بحزم مالك المتجر على سؤال حمزة المتلهف: سبعة آلاف جنيه.
وحدث أن ملك البائع هذه الخاصية المهمة في مراجعة افكاره، لينتقل من خانة التعالي إلى خانة حسد الاسطى أمامه على مهنته المربحة، كما تقول الاسطورة الشعبية الصحيحة غالبًا، فرد على سؤال آخر من حمزة عن ماركة الجاكيت. اجابه باسم لم يستطع فهمه إلا على انه "رُماني"، كالرمان، أو رمان البلي في مهنته، أو هو روماني مثل اسم صديق قديم.
ضحك الخرتي الشاب عندما اخبره الأسطى بأنه جاكيت رُماني بسبعة آلاف جنيه، واخبره مرة أخرى بالاسم الصحيح للماركة، ولكن-وللغرابة-لم يهتم الاسطى باسم محبوبه جدًا هذه المرة. كرره مرتين ولكنه كان يعود للأسم المفضل، الأسم الأول: رُماني. وقد نضيف هنا أن حمزة قد شعر بالاستياء من الخرتي الشاب، فهو يضحك عليه بينما حمزة يكبره ولو بسنوات غير كثيرة، وهو يكسب أكثر منه بكثير، وهو-وهذه هي النقطة الأهم-يكسب قوته من عرق جبينه، لا من عرق النساء الاجنبيات "الاهتمات" اللاواتي يسمع أنه يرافقهن.
ولابد أن هذا الاستياء قد ظهر في صورة زجرة ما، او نبرة صوت خشنة، أو ان الخرتي الشاب طيب القلب، أو كل هذا: فقد عرض الخرتي الشاب على حمزه أن يخرجا إلى الوكالة بجوار مسكنيهما، فربما يجدًا شبيها، ولو من بعيد، للرماني المفقود، وهو يعلم ابو اشرف وحمدي وعبد الله اصدقائهما والتجار بالوكالة وربما يفلحون في الاتيان له بما يشتهي. سيذهب هو مع الشاب احمد عبد الرؤوف، ابن المنطقة، ليختار له طاقمًا من الملابس يناسب الذوق الاوروبي كي يصطحبه لحفلة تقيمها احدى "صديقاته" ببيتها في المعادي يوم الجمعة المقبلة.
بالطبع فقد راودت هذه الفكرة ذهن حمزة كثيرًا، بينما هو يتقلب في فراشه متلمظا بجوار زوجته التي تشخر عادة في نومها، ولكن شيئًا طفوليًا- معتاد من ايام انتظاره الطاقم الجديد ايام العيد الصغير- كان يجعله يقاومها: هو يريد جاكيت جديد، جديد، وبالضبط مثل جاكيت الزبون ذو الحسناء المبهرة والعربة الألمانية الفخمة. يريده بشدة لدرجة انه يفكر جديًا في نسف هذا الكرش الصغير الذي اعتلى جسده منذ زواجه، حتى يماثل شكل بطن الزبون الخمصاء التي ألتف الجاكيت حولها، أو ربما يمكنه "شفط بطنه" كما يفعل حماه في بدلته الصيفية القديمة. تداخله بعض الافكار الهدامة عن جدوى ارتداء مثل هذا الجاكيت الفخم في منطقته الفقيرة، وأي مكان غني يمكنه أن يرتدي الجاكيت من اجل ارتياده، ولكن يتذكر مثال الاستاذ طعيمة، ذلك المعجباني الذي يحرص دومًا على أن يكون في غاية الاناقة حتى وهو جالس على قهوتهم البائسة في ركن الحارة. صمم على شيء أبعد، وهو أن يبتاع تي شيرت وجينز يماثلا في الغلو ما كان يرتديه الزبون، ولا بأس من من حذاء ذو رقبة طويلة، "بوت" ذو حشو حديدي في المقدمة مثل الحذاء الردونج الذي تاه به عشقًا في مراهقته. هكذا بنت طفوليته سدًا عتيدًا امام  فكرة ابتياع جاكيت مستعمل.
ولكن عندما عرض عليه الخرتي الشاب ذات الفكرة الآن، اضافة لسعر الجاكيت، فقد زعزع هذا رفضه الطفولي، واتاح المجال لصوت يتظاهر بالوقار في عقله، ويتساءل بجدية ما عن الفارق بين جاكيت جميل مستعمل0استعمال ملوكي كما قال الصوت-وجاكيت جديد مبالغ في سعره. استمر الصوت الوقور ليخبره أن سيكون ناصحا فعلا لو نجح في العثور على جاكيت يشابه المحبوب المفقود، وبسعر اقل كثيرًا بما لا يقارن.
كل هذا دار في رأسه بينما يستمع للخرتي الشاب، جالسا بجوار ورشته، شافطًا في نهم دخان المعسل القص، وفورا ترك "اللي" على الدكة التي كان يجلس فوقها، وترك الورشة برمتها للوزة، وخرج مع الخرتي الشاب- الذي هاتف احمد ليقابلهما عند الناصية- ليتفحص الملابس في الوكالة. ذهبوا إلى التجار الثلاثة، واجتهد حمرة في وصف ما يريد لهم، وساعده الخرتي الشاب غير مرة في الوصف المضني، بينما هو يساعد احمد ليبتاع قميصًا مقلمًا من ماركة شهيرة وبنطال من الجينز الازرق القديم. وكان كُل من التجار الثلاثة يستمع ويحاول أن يساعده على قدر ما يستطيع، في اثناء وقوفهما عند اشرف لمحا سيدتين اجنبيتين، احداهما متقدمة في السن نوعًا ما والأخرى في منتصف العشرينات-ولكن الاثنتان تشاطرتا الحذر من الرجال المصريين في الزحام- لينظر الخرتي الشاب للأسطى بانتصار ما: حتى الاجانب ذوي العملة الصعبة يأتون ليرتدوا "البالة". تأمل أحمد الشابة الاجنبية وثارت في رأسه الأماني عن اليوم المرتقب.
ولكن الاسطى حمرة لم يجد ما يشتهي، كان يتفحص الجواكت والمعاطف الكثيرة التي عرضها الثلاثة عليه باحباط مسبق، عاد ذلك الجزء الطفولي في رأسه ليؤكد له أن كل ما يراه لا يرقى لمستوى الرماني المحبوب، وبالفعل: لم يقف حمزة امام هذه الجواكت وقفة الانبهار التي وقفها امام تلك الواجهة الزجاجية لمتجر اركيديا، عندما تسمر وبجواره لوزة متفحصًا كل سنتيمتر من الجاكيت المفرود امامه، وهو يقارنه على جسد الزبون، وهو يتأمل اللمعة التي تنعكس فوق جلده الثمين الطري المطواع، قبل ان يحثه لوزة-المحرج من نظرات الناس إليهما-أن يمضيا في طريقهما، ليفاجأ بالاسطى يدخل بغشامة-تحولت في نظره إلى جرأة محببة- إلى المحل ليسأل البائع عن الجاكيت بالخارج.
وبينما هو غارق في احباطه، تناهت إلى اسماعه هتافات بعيدة، ترك ما بيده، شأنه شأن من حوله، وتأمل جماعة من الناس اغلبهم من الشباب وهم يأتون في طريقهم بطول الشارع، صارخين بهتافات تلعن الرئيس والنظام. حول الجماعة تحالق العديد من الرجال-تعرف فيهم على الكثير من مخبري القسم-بهواتفهم المحمولة مشغلين كاميراتها، ليصوروا وجوه الصارخين بهذه الهتافات الشرسة غير المعتادة. تأمل الكثيرون، وحمزة منهم، هذه الجماعة التي انضم لها بعض من اهل المنطقة باستهانة شديدة، ابتسم عبد الله وهو يتأملهم والتفت لحمزة والخرتي الشاب وأحمد قائلا شيئا يلعن الرئيس والهاتفين معًا: لص اريب ومجموعة من الحمقى. قال لهم الخرتي الشاب ان مجموعة من أهل وسط المدينة وشباب كثير آخر قد تظاهروا في الميدان الكبير القريب بالامس، قبل أن تطاردهم الشرطة جريا وصولا إلى حي الوايلي.
حاول حمزة والخرتي واحمد أن يتجاهلوا ما يحدث، ولكن الهتافات تصاعدت، ودارت الجماعة بانحاء الوكالة صارخة بشعارتها، إلى أن برزت من العدم عربتان من الأمن المركزي بجوار وزارة الخارجية، بينما قابلتها الجماعة بتكسير بلاط رصيف الوزارة وقذفه على الجنود، وبدأت قنابل الغاز- هذا الاختراع العجيب بالنسبة لحمزة والغالبية الساحقة من اهل المنطقة- في الهطول على الشارع. دخل حمزة والخرتي الشاب وأحمد، شأنهم شأن الكثير من أهل المنطقة، إلى الحواري الجانبية وإن لم يقتل الغاز الحارق فضولهم لمتابعة ما يجري، ولكن عندما انقطعت الكهرباء فجأة من الحي، وطارد الجنود أولئك الشباب في الحواري الجانبية المظلمة، كان الوقت قد حان لحمزة ورفاقه أن يصعدوا إلى بيوتهم، متجنبين شر الجنود وحماقة الصائحين.
في الصباح عرف حمزة، بينما هو مشغول بتصليح عربة زبون متعال آخر، أن مظاهرة اخرى قد قامت بجوار الفندق الفاخر غير بعيد عنهم، وبدا الناس حوله وقد انقسموا إلى مجموعات متباينة بإزاء ما قيل عن مظاهرات عارمة بعد صلاة الجمعة التي تحل بالغد: جزء يبدي حماس ما، وجزء يلعن كل شيء، وجزء غير مهتم شأنه شأن حمزة، ولكن هذه المجموعات كلها اجتمعت في شك كبير حول جدوى ما سيحدث، وإن كان سيحدث من أصله. وعندما جلس في القهوة ليلا تناثرت اقاويل عن القبض عن بعض شباب المنطقة في مظاهرات الامس التي جابت الحواري والازقة، بينما بعضهم لم يكن له أي دخل بما حدث من الاساس، غير حظهم العثر الذي قادهم للوقوف في مسار المعركة. البعض معروف مكانه والبعض الآخر بدا وكأنه تبخر بلا رجعة. كان حمزة يستمع إلى كل ما يجري وينفث الدخان من منخريه ويفكر بعمق في الاجر الجديد لتصليح عربة الزبون المتعالي الجديد، ويفكر جديًا في أن يدخره كبداية لثمن الجاكيت الرماني المحبوب. جاءه الخرتي الشاب في آخر الليل بقزازة من الخمر الفاخرة التي "سلكها" من زبونة جديدة، بينما تولى حمزة لف سيجارتين من الحشيش الذي عز العثور عليه في هذه الايام. كان الخرتي قد اصطحبب أحمد إلى احد الحلاقين معرفته في منطقة قريبة، حيث تولى قص شعره بما يروق للأجانب، استعدادا ليوم غد المرتقب.
اخبره الخرتي في تردد انه يفكر في أن ينزل إلى المظاهرات في الصباح، قبل أن يذهب مع أحمد لحفلة الاجنبية في المساء، فشخر له حمزة في مزيج عجيب من الحسم والاستهانة، وسأله منذ متى يركعها اصلا، وكيف سيذهب إلى الصلاة وفمه نجس لاربعين يومًا كاملة؟! رد الخرتي الشاب ان هذه بدعة وأنه لم يرد في الدين مسألة الاربعين يومًا هذه فاسكته الاسطى بشخرة أخرى تعقبها أحا، وسأله كيف تسنى له أن ينقلب متظاهرًا ومتفقهًا في الدين في ذات الوقت فجأة.  كان تضافر الصوت الحلقي ولفظ الاعتراض والسؤال معًا في اقل من عشر ثوان كافيًا باغلاق باب المناقشة تماما.
وعندما تركه حمزة صاعدًا إلى اعلى، حيث اعتلى زوجته في وقت خيل إليه أنه امتد لساعات، كان لا يفكر لا في الجاكيت ولا في المظاهرات ولا في حرمانية الصلاة. كل ما ملك تفكيره هي صورة مذيعة التوك شو التي تشبه سعاد حسني بينما هو يحاول تركيبها عبثًا على زوجته، بينما كانت الزوجة تفكر بدورها إن كانت هذه المضاجعة المضطربة بتأثير الحشيش والكحول (اشتمت الرائحة جلية خارجة من فم زوجها قبل أن يقبلها) سوف تسفر عن مولود ثالث أم لا، وما إذا كان هذا الحمل مرغوبًا الآن في ظل الوليد الصغير.
وعندما صحى بعد عصر الجمعة بقليل وهو يسعل بفعل الغاز الذي تسلل إلى غرفته، بدا وكأن القيامة قد قامت.
تقول له زوجته أن المظاهرات امتدت من كل جامع كبير في المدينة العجوز تقريبًا، وأن الشباب الهادر قد انطلق في الشوارع العريضة لاعنا سنسفيل أبو الرئيس وداعين إلى اسقاط النظام، وأن القسم القريب قد هاجمه الشباب مثله مثل اقسام كثيرة في المدينة، خنقتهم جميعًا  الغازات القادمة من هنا ومن هناك، وساد هرج ومرج في الشوارع حيث بدأ الشباب في مهاجمة الوزارة بالقرب منهم، اختفى المخبرون وأمناء الشرطة بعنجيهتهم المعتادة، ومعهم البلطجية التي يستخدمونهم عادة في الانتخابات، وشاهد حمزة شابين من شباب المنطقة يلفون البانجو في الشارع بلا اكتراث حين نزل إلى الشارع مستفهما عما يجري. شاهد الاستاذ طعمية الذي ما يزال يحاول الحفاظ على هندامه في مثل هذه الاوقات فسأله عن الخرتي الشاب، اجابه بأنه لا يعلم. لا يعرف احد أين الخرتي الشاب، الذي يسأل حمزة نفسه إن كان قد خرج إلى المظاهرات فعلا، أو نام مثله بانتظار أن يذهب مع احمد عبد الرؤوف إلى حفلة النسوة الأجانب. جرب أن يهاتفه ولكنه فوجئ بتوقف شبكات المحمول.
يصلهم دوي الرصاص الهادر من الميدان غير البعيد، ممتزجًا بالصوت المكتوم قليلا بقنابل الدخان، بدا كل شيء متفككًا منهارا بغتة، وبغتة أيضًا رأي حمزة صبيه لوزة محمولا فوق ايدي بعض الناس، ميز فيهم عبد الله صاحب المحل في الوكالة، وجسده ينزف الكثير من الدماء.
وعند المستشفى البيطري في المنطقة، الذي تولى بعض الاطباء فيه معالجة العديد من المصابين بطيبة قلب ودون اوراق رسمية، فهم حمزة أن الصبي قد شارك جماعة من الشباب التظاهر عند القسم القريب، فنال ما نال من طلقات البوليس، كانت امه حميدة-التي ما تزال تحتفظ ببعض من فتنة قديمة يتذكر حمزة أنها شغلت اباه- تنوح بباب المستشفى لاعنة ابو  لوزة وابو المتظاهرين، وكأن ما يجري سيصلح الحال وكأن لوزة له أب يرأس الوزراء حتى يتجنب نيران البوليس، أو حتى أن يهتم بما يجري حوله.
كاد حمزة أن يسب له الملة بدوره حين اقترب منه، ممددًا فوق طاولة المرضى في مدخل المستشفى، ولكن مظهر الألم فوق وجهه المصفر والعرق الذي يأكله، والضمادات المليئة بالدماء فوق ذراعه وقدميه جعلته يصمت قليلا ويربت فوق صدره لينظر له لوزة بامتنان، ثم لم يلبث حمزة أن سب له بصوت مكتوم رغم كل شيء. يسمع الكثير مما يحدث من أهل المنطقة الذي ظهر بعضهم كمصابين أو كأهالي للمصابين، أو كفضوليين في الشارع، ولكن خبرًا واحدًا استرعى انتباهه أكثر من خبر انتشار الجيش بقرب الوزارة ومبني التليفزيون القريبين: هناك من يهاجم اركيديا، وبعض الناس يطلعون من المنطقة بسرعة الصاروخ، سواء فوق ماكيناتهم صينية الصنع أو "الفِسب" الغالية كفسبته إلى المبنى الفاخر بجوار النيل.
عادت صورة الجاكيت الجميل، الرماني ذو اللون البني المحروق، بجلده اللامع البراق وجيوبه على شكل القلب وحزامه الصغير حول الياقة لتملئ خياله. المحبوب يرقد بالانتظار في المبني غير بعيد.
ولم يكن من الصعب تخيل ما حدث بعد ذلك: جري حمزة إلى حيث ترقد فسبته في المدخل الطويل لبيته، يستقلها وينضم لجحفل من الدراجات النارية تنطلق في طريقها إلى حيث يرقد المول، لا تبالي ولا تلتفت للشباب الثائر الذي تجمع حول مبنى التليفزيون أو في الميدان القريب. لا تبالي ولا تلتفت لجنود الأمن المركزي الذين تخلوا عن ملابسهم الرسمية وطفقوا يعدون في الشوارع أو يختبئون في مداخل البيوت، لا تبالي الدرجات ولا تلتفت إلى بداية وصول عربات الحرس الجمهوري إلى الكورنيش الطويل. لا تبالي ولا تلتفت، شأنها شأن الكل، لقرار الرئيس العجوز الفاسد بحظر التجوال، هم في طريقهم إلى الارض الحرام غير بعيد، حيث اللبن والعسل والادوات الكهربائية وخلافه.
يصل حمزة إلى المول، يجد بعضه يحترق وادخنة تتصاعد منه، يرى العديد من الناس يخرجون منه حاملين كل ما يستطيعون، ما خف حمله وما ثقل. يوقف فسبته بجوار المدخل بجوار العديد من الدراجات النارية، ويجري إلى الداخل كالمسحور، يتحسس مطواته القرن غزال في جيب بنطاله الجينز ، ولم يخب حدسه: فبين اسراب النمل التي تحمل غنائمها كانت هناك معركة حامية بين الناس حول محل للمجوهرات تحطمت واجهته، شأنه شأن اغلب محلات المول، وجثث الساعين وراء الماس تتكوم فوق بعضها، بينما ظفر بها اكثرهم شراسة واقواهم ذراعًا.
كان يعدو فوق الدرج هو وبعض الناس الذين ميز وجوههم، بينما يغادرهم آخرين حاملين كل ما استطاعوه حتى الكراسي الجلدية والمكاتب الخشبية، يصل إلى حيث المحل الذي تكسرت واجهته هو الآخر، يشهر مطواته في يده بحركة سريعة مدربة من ايام الشقاوة الأولى  ويبحث عن المحبوب، تدور عيناه في ارجاء المكان المحطم والناس الذين يحملون الملابس بلهفة، يجد نسخة أخيرة من الجاكيت معلقة فوق العامود بعرض الحائط على يمينه، يهوش بالمطواة شاب حاول مد يده إليه ويهتف به بصوت اجش أن ابتعد. يجفل الشاب ويبتعد مفسحًا له الطريق. يختطف حمزة الجاكيت من فوق حاملته وينظر إليه: اخيرًا نال محبوبه. أخيرا تحيط يده اليسرى بجلد ناعم وبراق، بينما تدلت يد السّحاب الانيقة من آخر الجاكيت مصدره رنة معدنية طربت لها قلبه.
لم يتمالك نفسه، ورغم كل ما يجري حوله، والعيون التي لابد تترصده، عدا بالجاكيت حيث غرفة تغيير الملابس، اغلق ورائه الباب الخشبي الفاخر، و مد يده اليمنى داخل الجاكيت شاقا طريقه في الكم المبطن بقماش ناعم حاملة المطواة بعناية حتى لا يجرح جسد الجاكيت، لتخرج من الكم باسرع ما يستطيع، يدخل يده اليسرى في الكم الايسر، يشد الجاكيت فوق جسده، ويغلق السّحاب ثم يشده لأعلى، ينظر  لنفسه في المرايا على يساره، ينتصب امامها مرتديا الجاكيت. يداخله احباط قليل أن المقاس اكبر منه برقم واحد، وبذلك لم يكن الجاكيت مشدودا فوق صدره، ولكنه لم يترك ذلك ليهزمه: لقد حاز الجاكيت اخيرًا.
يخرج من المحل مسرعًا، عدوًا كما جاء، وحوله الناس في حالة من السعار المفاجئ، هكذا هي عدالة السماء من هؤلاء المنتفخين بذواتهم، هؤلاء اللصوص الكبار الذين انستهم نقودهم وحساباتهم البنكية، والنسوة البيض  البضة اللاواتي يضاجعون، وانديتهم الفاخرة، المدارس الدولية التي يدخلون فيها اطفالهم المرفهين، الباشوات، آلهة الأقسام، حيث يعلقون المجرمين الصغار –او من قادهم الحظ العثر لأيديهم-من عرقوبهم، وينحنون مقبلين مؤخرات المجرمين الكبار. كل هذا انساهم انفسهم، ثم انساهم هؤلاء الذين يرقدون تحت اقدامهم، سواء من معدمين أو من لصوص صغار، أو من حالمين يريدون الحياة كما تظهرها الافلام التي تأتي من الشمال البعيد. سارت البهجة والوحشية جنبًا إلى جانب في الجموع، نشوة هي اقرب لما كان يحسه وهو يضاجع نعيمة فوق سطوح البيت خائفًا من أي زائر مفاجئ أو جار مرهف السمع. يعدو إلى الخارج والادرينالين الذي ملئ عروقه يبث في مخه صورة ذئب قوي، ذئب قوي نال ما يريد في غابة الحياة رغم كل الكلاب التي ملئت حياته.
وعندما خرج من باب المول، واتجه عدوًا إلى حيث رقدت الدراجات النارية، صدمته الحقيقة العارية فجأة: لم يجد الفسبا..

Tuesday, May 28, 2013

ايمان.


عندما يضربك الايمان الشديد، المقدس، بالاختلاف..
بلا ملائكة هابطة، أو مرايا.. ربما..
لا يمكنك ألا تكون وحيدًا..
والوحدة حقيقة.

مثل القطط، يا عزيزتي..

في هذه الأيام..
حينما، ارقب القطط الصغار،
في لهوها، فابتسم..
لأنني كنت ارى نفسي فيهم.
واليوم، اشعر بنغزة ما في قلبي
حين ينظر لي كلب، في عيناي
.

Friday, May 24, 2013

كلمة الكُتاب الشباب بالمؤتمر الأول للمثقفين المصريين- محمد علاء الدين







السيدات والسادة
أعضاء المنصة الأعزاء الكرام

أتحدث إليكم نيابة عن جيل صنع الثورة في الأدب والفنون فبل أن تنتقل إلى الشوارع. جيل جاهد بالالوان والحبر والدماء، وتوحد وراء فكرة واحدة، وتكاتف وراء معنى واحد:
ما كان لا يجوز له أن يستمر.
نحن لا ندافع عن دولة قديمة اهانت المواطن والثقافة، بل نسعى لبناء دولة جديدة تعيد الاحترام لهما معا.
و في مسألة وزارة الثقافة، فبرغم رأيي الشخصي الذي يساندني فيه العديد من الزملاء والاصدقاء في شأن بقاء الوزارة من عدمه، حيث يمكن منح الاستقلالية لهيئاتها، ويكون على رأسها مجلس مستقل من الامناء على غرار النظام البريطاني مثلا، ولكن إذا ما استمرت هذه الوزارة فيجب عليها تفعيل مشروع طكوح لاعادة الهيكلة لجعلها منبرًا حقيقيًا للثقافة، لا حظيرةً لتدجين المثقفين، خدمةً للحاكم الحليق تارةً ولخدمة الحاكم الملتحي تارة أخرى.
وزارة تلتزم، كشأن الدولة المصرية الديموقراطية الحديثة الحرة كما نتمنى، تلتزم بمواثيق حقوق الانسان، والتنوير، والتحديث. وزارة عمادها اللامركزية وحماية التعدد الثقافي والحضاري للشعب المصري الكبير، لا لفرض ايدولوجية بعينها او توجه بعينه.
لا يمكننا أن نسكت على وزير اتهم الموجة الثالثة من الثورة المصرية بأنها "ثورة مضادة"، مستخدمًا دعاوى تذكرنا بكتبة النظام السابق.
مستمرون في هذا الفعل البسيط في صيرورته، المعقد تماما في فهمه: فعل الحياة. الحياة مهما هددها الظلام، وحاربها الجهل.

محمد علاء الدين

(قرأت هذه الكلمة في المؤتمر الأول للمثقفين المصريين، في 23 مايو 2013 بنقابة ا
لصحفيين، باسم الادباء المصريين الشبان)

قطع يد الدولة في وزارة الثقافة.

بدأت معركة وزارة الثقافة، أو، وبشكل اكثر حرفية، تجددت.
وبعيدًا عن تفاصيل المعركة كما رأيناها جميعًا، فهناك ما يستدعي الكثير من علامات الاستفهام، اهمها تورط المثقفين، أو بعض لا بأس به منهم، في الدفاع عن اسماء نعلم جميعًا انها كانت داخل الماكينة المباركية، وبصرف النظر عن مقاييس "العيب" في العمل مع نظام مبارك، فهناك مقياس واحد واضح والجميع يعرفونه: أين اصبحت الثقافة الآن؟

العبد لله رفض تعيين د. علاء عبد العزيز لوزارة الثقافة، كما رفض تعيين محمد عبد المنعم الصاوي، كما عتب على د. عماد ابو غازي موقفه من احداث محمد محمود، كما يساعد العبد لله الباقي من زملائه واساتذته في اللجنة التحضيرية لمؤتمر المثقفين، المحدد له يوم الخميس القادم الموافق الـ23 من الشهر الجاي، والهادف لرفض تعيين الوزير ورفض هيمنة الاسلام السياسي على وزارة الثقافة، كما أن العبد لله قد اقترح تعيين واحد من اسمين لامعين لمنصب وزير الثقافة من قبل، وهما الصديقين العزيزين شريف يونس أو خالد فهمي منذ وقت طويل، وتولية ايهما، فيما أعتقد، هي ترجمة حقيقية لنصر تحققه الثورة في مجال الثقافة.
ولكن، وفي غمرة مثل هذه الاحداث المتلاحقة والمتسارعة، ألا يجب أن نفكر قليلا فيما يجري؟ ألا يجب أن نتوقف قليلا ونرى ما آلت إليه طرق التفكير التقليدية للنخبة المصرية؟
في المجال السياسي يظهر هذا الفشل في تسليم هيكل الدولة كاملا، بعيوبه واستبداديته، للإسلام السياسي. رفض الجنراات والنخبة إجراء أي تطوير حقيقي لبناء الدولة المصرية تحت تأثير تصور فكري قاصر عن ماهية السلطة، وعن دور الدولة، أو تحت تأثير أوهام ما عن سير العملية الديموقراطية أو وقفها اجمالا، ويستحسن عدم الخوض في تفاصيل مثل هذه الاوهام والتمنيات، لأن الحديث ذو شجون.

حتى التعديلات في الدستور جاءت، وللأسف، بناء على رؤى ضيقة وتكتيكية وآنية تماما، فوضع الازهر مثلا كسلطة في الدستور أمل فيه العلمانيون أن يشكل سدًا سياسيا أمام الاسلام السياسي، واصروا على كذبة "الازهر الوسطي المعتدل"، ولكن لم يسأل احد نفسه ماذا عندما يسيطر الاخوان على الازهر؟ والعبد لله يرى ذات الحماقة في محاولة العلمانيين تأكيد سلطة المحكمة الدستورية العليا في الرقابة القبلية على القوانين، لذات السبب السابق وهو الضغط على الاخوان، بينما يرجع السؤال مرة أخرى: وماذا لو سيطر الاخوان على المحكمة الدستورية العليا؟ ماذا لو-وهو افتراض بعيد وسامحوني عليه- اُن صدر قانون بقطع يد السارق وواقفت عليه المحكمة الدستورية العليا؟ ما الذي يحميني أنا كمواطن لا سلطوي عندئذ؟
تبقى اسئلة بلا أية اجابة. وربما هي مصيبة إن لم يفكر فيها قادة العلمانيين.

المهم، فقد سُلمت الدولة المصرية كما نعرفها بجهاز أمن دولتها، ومخابراتها، ووزارة إعلامها ووزارة تقافتها، وكل اذرعتها التنفيذية والسلطوية لقبضة الاسلام السياسي، ونجد نفسنا الآن في غمرة معركة على موقع وزير الثقافة، واجهزتها، حتى لا تتحول فعليا لبوق ينشر الثقافة السلفية، كما كانت تفعل مع الثقافة العلمانية، أو هكذا يفترض.
صديقي العزيز محمد كمال حسن، الروائي الموهوب من جيلنا، والذي احب له روايته "تماثيل الملح" كثيرًا، هو أول من اقترح، على قدر ما اعلم، إلغاء وزارة الثقافة. ربما فكر كمال في حقيقة كبرى وهي أن عدد لا يستهان به من دول اوروبا الغربية لا تعرف مثل هذا التقليد الفرنسي-الفرانكفوانية والجمهورية الفرنسية الخامسة التي قتلت النخبة ولعا وحبا- عن وزارة الثقافة. لا نجد لها مثيلا لا في بريطانيا ولا في امريكا حتى.
يفكر بعض المثقفون أن هذا تحديدا ما يريده الاخوان من "فك لمؤسسات الدولة"، وما يبدو لي أن الاخوان يسعون أكثر من غيرهم للهيمنة والسيطرة على نفس ذات المؤسسات، ولا مانع ابدا من تحويل اسم وزارة الاعلام لـ"المجلس القومي للاتصالات" مثلا كما حول أمن الدولة للأمن الوطني. يجب أن نسأل انفسنا الآن: نحن نحارب الآن ضد هيمنة الاسلام السياسي على الوزارة، ونقترح اسماء وخلافه، ولكن ماذا سيجدث إن خفتت هذه السيطرة؟ ماذا سيحدث حين يستقوي الاسلام السياسي بالاعراف الدستورية في حق حزب الاغلبية في السيطرة على الوزارات، وتسييرها في اجندة محددة يدعي أن الشعب اختاره على اساسها؟ وهو كلام حق يراد به باطل إذا ما تكلمت عن كيان لا سلطوي بطبيعته مثل الثقافة.
إليس من الافضل الاعتماد على لا مركزية حقيقية في مثل هذا المجال؟ أن يتحرك المجلس الأعلى للثقافة بحرية اوسع بكثير، وكذلك كل الهيئات التي يسيطر عليها وزير واحد، بتوجه واحد، وعقلبة واحدة؟ أليس من الافضل تحويل كل هذه الهيئات إلى هيثات مستقلة تحصل على تمويلها من الدولة أي نعم، ولكن يديرها مجلس أمناء مستقل، كما نجد في التجربة البريطانية مثلا؟
ألا يوجد بيننا رجل رشيد، أو رجال راشدون، يعلمون أن قطع يد الدولة السلطوية في مجال حساس مثل الثقافة هو اكبر حماية لنا من بطش الاسلاميين أو الناصريين أو الفاشيين عامة؟
ألا يجدر بثورة آمنت بطريقة الحرية، أن تودع إلى الأبد سلطوية الدولة في مجالات مثل الثقافة والاعلام؟

وسؤال أخير، هل كانت هناك وزارة للثقافة في مصر في ايام كان عندنا فيها طه حسين وزكي نجيب محمود وسلامه موسى؟
استفيقوا يرحمكم الله.
 
................................................................................................
نشرت بجريدة البداية

Sunday, May 19, 2013

بنطال


بدأ بنطالي الرخيص، الذي احب لونه، في التهتك..
وضربني حزن ما..
عندما تذكرت أنكِ لم تكوني هنا،
عندما اشتريته، أو عندما أهمتله..

Friday, April 26, 2013

المعراج

دلفت إلى المصعد . نظرت إلى الصارم الواقف امام لوحة الأزرار . ضغط دون أن يسأل ، و لم اشعر انا بوجوب القول . زيه الأزرق المزركش بمسطحه الاحمر العريض و ازراره الذهبية بدا مهندماً مكوياً بشكل مستفز . ظل قبعته حجب عيناه الشاخصة إلى جدار المصعد الفضى دون أن تتحول يمنة أو يسرة . توقف المصعد و دخل رجل انيق و امرأة متأففة . وقفا امامى و كأن هنالك حاجز خفى يفصل بيننا . توقف المصعد مرة أخرى . فدخل طفل مبتسم و معه سيجارة يمتص دخانها فى جشع . نظرت المرأة المتأففة إليه و لكنه نفث دخان سيجارته بأستمتاع . ظل المصعد فى صعوده حتى دلف الينا نمر و انزوى بنفسه و أخذ يتأمل صورة ذقنه النابتة المنعكسةعلى جدار المصعد و يتوسدها بين الحين و الآخر . نزلت السيدة المتأففة فيما يبدو كرد فعل على دخان سيجارة الطفل ذات الرائحة المعطرة . دخل شبح متأنق ينظر إلى ساعته بحركة عصبية . ظهر شيطان فى فراغ الباب و لكنه لم يدلف انما مد يده مبتسماً إلى الطفل الذى تلقفها بمرح و خرج . دخلت أفيال و دراجات و أسماك قرش ساهمة و نجمتين فى حالة غزل . نزل الرجل الأنيق و هو يلمس رباطة عنقه لمسات أخيرة مثلما يُقلب المايسترو صفحات نوتته برهافة . دخلت ثعابين و بومات و كائنات فضائية ملتحية و امرأة مغوية و قناديل بحر و خراتيت و إخطبوط يبدو عليه الخجل . نظر الىَ النمر نظرات مترددة فقررت تجاهله دون أن ادرى لماذا . خرجت النجمتين المتحابتين فاستراحت عينىَ قليلاً . دخلت عربة ضخمة ببطء و سائقها حريص على "ركنها" بالشكل الأمثل . نزل مسوياً هندامه و ناول الصارم مفاتيحها و خرج . ظل المصعد فى صعوده إلى أن خرج الصارم ثم التفت الينا و الباب ينغلق بتؤدة حاجباً عنا نظراته الهادئة . استمر المصعد فى حركته المضطردة إلى الأعلى فقطع تساؤلى الذى حسبته منطقياً . انفرج بابه فدلف الينا الماء بعنف كالمطارد. خرجت الخراتيت و البومات و الأفيال سابحين و صدحوا بالغناء . خرج الأوكسجين سريعاً لاحقاً بهم ، تاركاً الماء يلتحف برئتى بلهفة ، و قد بدا انه وجد مستقراً .'

.................................
كتبت في العام 2001.
نشرت في العام 2003، في مجموعة "الضفة الأخرى"- تُنشر طبعتها الثانية قريبا.

Monday, March 18, 2013

"Голос"








Аля ад-Дин Мухаммад "Голос"

Как это происходит со  всеми пророками, а также и с некоторыми безумцами, с ним начал вести беседы некий уверенный голос. Уже успев в изрядной степени превратиться в пророка, наш герой отнесся к этим беседам, как к некой обыденной вещи. С другой стороны, став в изрядной степени и безумцем, он никому об этом не рассказывал. В самом начале он, конечно, забеспокоился и начал было уже подыскивать себе тихое местечко в каком-нибудь медицинском учреждении; мысли об этом одолевали его какое-то время, пока не превратились в  воспоминания, а он не сумел убедить себя, что все мы заслуживаем медицинского вмешательства в той или иной степени.

Он научился бормотать Голосу утренние приветствия таким образом, чтобы  этого не заметила его подозрительная жена, хотя она и сказала как-то, что разговаривать с самим собой вполне естественно для человека. Этой же новой привычки он придерживался и с коллегами на работе, и со знакомыми за чашкой кофе.

Пытался он было обсуждать с Голосом некоторые из взглядов, которые тот высказывал (они, надо признать, были довольно интересны), в спокойной обстановке, находясь в своем убежище, уборной, однако его всегда мучило опасение, что длинные разговоры с Голосом (конечно, они будут длинными после такого долгого молчания!) могут быть ненароком услышаны его детьми. Поэтому ему приходилось прикладывать огромные усилия, чтобы не поддаться искушению и продолжать молчать. Он уже довольно сильно привязался к Голосу, к его мужскому тембру и спокойным интонациям, он даже мог бы принять его за голос отца, если бы не это спокойствие. Он пытался сконцентрироваться на обычно длинных предложениях Голоса: может быть тот скажет нечто, что позволит обнаружить близкую связь между ними, какую-нибудь историю или воспоминания о самом отце или о его сестре, которую, как он знал, очень любил отец, или может быть о дяде, который измучил и отца, и самого себя бессмысленной враждой. Наконец, о матери, которой отец изменял направо и налево так, что их отношения достигли той стадии, когда, как это часто бывает между супругами, невозможно было сказать, любовь это или ненависть. Ничего. Попытка сконцентрироваться привела лишь к тому, что он пролил горячий чай прямо на то место, где брюки застегиваются на молнию, когда, задумавшись, пронес стакан мимо рта. Это, в свою очередь, вызвало улыбки у сослуживцев, увидевших, куда именно был пролит чай.

Голос говорил ему о вещах, казавшихся очень простыми, однако, несмотря на кажущуюся простоту, именно эти вещи казались ему заслуживающими долгого размышления. Например, устройство колеса: эти ступицы, которые есть в центре некоторых колес, вращаются вслед за колесом, при этом от них разбегаются спицы в направлении обода, да так, что даже можно себе представить, как они иногда вертятся в направлении, противоположном направлению движения колеса. А еще эта крутящаяся вокруг шестеренок металлическая цепь, которую, в свою очередь, приводит в движение нога. А еще что человек превосходит льва, который не знает, что такое колесо.

Это были очень глубокие беседы, но, как и все глубокие беседы на свете, они имели определенную цену. Однажды, когда его начальник увидел, что в последнем написанном нашем героем докладе один из сотрудников был назван "господин Колесо", он страшно разозлился и устроил ему дикую выволочку за ненависть к сослуживцу, которую он осмелился выплеснуть в официальном документе.

Таким образом, Голос совсем не рассказывал о родственниках, даже не намекал на них. Но в какой-то момент он все-таки стал склоняться к мысли, что Голос - это голос его отца, и что его отец просто стал спокойнее разговаривать. Он также отметил, что Голос значительно умнее, чем когда-то был его отец. От таких непочтительных мыслей ему стало стыдно и он предположил, что отец после смерти обрел спокойствие и значительно поумнел.

Жизнь его теперь была настолько беззаботной, что он занял очень большие деньги, чтобы купить в кредит машину, чему, естественно, сначала очень обрадовался его старший сын. Однако позже он понял, что отец проводит в новой машине все свое время. На все просьбы родственников и друзей  подвезти, он отговаривался необходимостью расплатиться с долгом, а также дороговизной бензина. Все это ради того, чтобы хоть ненадолго остаться наедине с Голосом, не написать ненароком в каком-нибудь документе "господин Колесо" и не пролить горячий чай на причинное место. Из-за его постоянного пребывания в машине, жена его стала что-то подозревать: думая, что замешана женщина, она подвергла обыску его карманы, тщательно проверила сообщения на мобильном телефоне, изучила записные книжки. Ничего не найдя, она стала подозревать другие причины, например, нездоровое пристрастие к какому-то дурману. Именно эта мысль пришла в голову и одному полицейскому, увидевшему как-то человека лет пятидесяти сидящего в припаркованной на боковой улочке машине, что-то возбужденно говорящего скороговоркой и размахивающего руками. Внимательно рассмотрев его, полицейский понял, что человек находится в состоянии крайнего эмоционального возбуждения, фактически в клинической стадии, пришлось, однако, его отпустить. Странно, правда, что совершенно нельзя было разобрать, что именно говорил этот странный человек.

В конце-концов, жена была вынуждена спросить его прямо: что же он делает все то время после того, как  усядется в машину и исчезает почти на весь день?

Наш герой, который, как и любой маленький служащий предпенсионного возраста,  боялся прямо поставленных вопросов и не умел отвечать на них, сказал лишь, что сидит в машине, чтобы немного подумать в одиночестве.

Конечно, это происшествие преследовало беднягу всю оставшуюся жизнь: историю с полицейским со злорадством  пересказывал его сын, а невестка конечно же разболтала все своей подруге. Однако он продолжал вести длинные разговоры с Голосом, Голосом, ставшим для него смыслом всей жизни, так как он был похож на линзу фотоаппарата, которая запечатлевала чистое и понятное для него изображение этой жизни. Так, например: один из его сослуживцев, Магди, умер необычной смертью; однажды, когда тот переходил улицу, торопясь на работу,  его сбил огромный грузовик. Тем не менее,  Магди остался жив и отделался всего лишь несколькими царапинами. Когда же Магди потягивал из стакана тростниковый сок, которым он на радостях  решил себя побаловать, то, в размышлениях о милости Божьей, забылся на несколько мгновений, захлебнулся соком и умер. Голос объяснил, что эта смерть прекрасно характеризует покойного Магди: тот был очень наивным человеком и для того, чтобы умереть, ему совершенно не требовался грузовик. Так образом, эта смерть помогла нашему герою лучше понять своего сослуживца.

В какой-то день, однако, Голос решил пропасть, что заставило нашего героя изрядно взволноваться. Все началось с того, что Голос теперь уже не разговаривал с ним непрерывно с утра до позднего вечера, громкость его  становилась все тише, а предложения все неразборчивее, да так, что в какой-то момент фразы, произносимые Голосом, стали прерываться на середине. Как-то раз, он сидел на балконе своего дома с пришедшими в гости родственниками и пытался разобрать нечеткие слова Голоса. Стараясь быть вежливым с гостями, он сначала старался скрыть свое беспокойство, но в какой-то момент оказалось, что он кричит на свою жену, забывшую положить ему в чай сахара. Гости смотрели на него с удивлением, с непонимающим выражением лица глядела на него и жена, не понимавшая, почему муж ее после того визита стал тихо увядать. Она также не понимала, почему он стал  уединяться в своей комнате после прихода с работы (а после того, как попытки не удались, он сидел в одиночестве в машине, все еще стараясь услышать Голос). Она не понимала, почему супруг ее стал пренебрегать своей работой и проводить все время в кровати, не отвечая на вопросы и не вставая (что очень обрадовало его старшего сына, который теперь полностью располагал машиной по вечерам). Найдя упаковку снотворного, она не могла понять, что заставило мужа начать его принимать. А дело было всего - навсего в том, что только так ее муж мог говорить с Голосом, который перестал приходить к нему в моменты бодрствования, но, однако, стал навещать его во сне. Ему пришлось с нетерпением ожидать наступления ночи, а потом и создавать себе ночь только для того, чтобы вновь увидеть мир таким, каким мог показать его только Голос. Теперь он поднимался с кровати только чтобы что-то съесть чтобы не умереть с голоду или чтобы опорожнить желудок.

Снотворное постепенно погрузило его в почти беспробудный сон, он перестал есть и пить и лежал в кровати почти без движения. Не пот, покрывший тело покойного мужа, не высохшее как спичка тело, не отвисшая челюсть и не иссохшие ноги поразили его жену. Ее поразила счастливая улыбка, застывшая на мертвом лице.

..........................................
This is the Russian translation of Aladdin's short story "The Voice". First published in Arabic in Aladdin's short story collection "Al Sagheer Wa Al Hali" by Merit Publishing house, 2012.
 This was published by the prestigious Russian newspaper Moskovskij Komsomolets in their Egypt edition. 

Translated by Sarali Gintsburg.