designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Sunday, September 09, 2007

النوتة الحمرا


أملك ميلًا يصل حد الشبق نحو المفكرات الصغيرة و أقلام الرصاص.

أعرف جيدًا إنني كلما اشتريت مفكرة صغيرة ثخينة أنيقة لا اكتب فيها شيئًا. فقط اللمس. العين عندما ترى الشكل المنمق. ليس إلا.

أقلام الرصاص؟ ربما هي الطفولة، أو تراكم المواريث الفنية التي تبدأ باسكتش الرصاص و الفحم. أو، بتفسير أسمته صديقة عزيزة "تفسير كُتاب": هي تلك القدرة السحرية التي يمتلكها قلم الرصاص في تصليح الأخطاء. ممحاة—أتيه عشقًا في أنواعها—تمشي ببساطة علي الخط و تزيل العيب. الشيء العجيب غير الواقعي إطلاقًا، بالضبط مثل مفكرة منمقة مكتظة الأوراق، أفضل عدم تلويثها بخطي الأشعث.

..آه يا زين


حب المصريين لآل البيت يفيض نورًا و عنبرًا.

في حب الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، القرشي الهاشمي المدني، كانت أغنية شعبية بديعة هي "آه يا زين". الإمام علي زين العابدين الذي ناده المصريين بـ"آه يا زين.. آه يا زين العابدين.. يا ورد مفتح.. بين البساتين"، ربما لم يكن الزين ثوريا كأبيه، أو طالب ملك كأعمام الجد. ربما كان من وجهة نظر ما مستكينا و مستسلمًا. ربما حتى خانعًا أو متخاذلًا، و لكنه كان اتقى و أورع آل البيت النبوي في عصره، حيث قال الإمام مالك بن أنس "سمي زين العابدين لكثرة عبادته"، و الذي سجن بسببه الفرزدق عندما انشده قصيدة عصماء، وصل من غيرة و غيظ هشام ابن عبد الملك أن طلب مثلها، فقال له الفرزدق هات جداً كجده، وأبا كأبيه، وأما كأمه، حتى أقول فيكم مثلها.

يا سائلي أيـــن حل الجود والكرم***عــنـــدي بـــــيان إذا طــــلابه قدموا

هذا الذي تعـــرف البطحاء وطأته***والبــيت يعــرفه والحــل والحـــــرم

‏هــذا ابــن خــــير عــباد الله كلهم***هــــذا التــــقي النــقي الطاهر العلم‏

هــــذا الـــذي أحمد المختار والده***صلى عــــليه إلهـــي ما جرى القلم

القصة ليست الهامة، بل مقدار الحب الذي استحوذ علي قلب مصر، السنية المتشيعة، لآل البيت و منهم زين العابدين. الحب الذي لا يعرف تشدد المتفقهة، و لا سوط الحاكم، و لا منافع التجار و نقودهم. حب صافي تكلله دموع الخشية و الإحسان. موسيقى "آه يا زين" التي كانت ضيفة دائمة عن صلاح أبو سيف و لاسيما في "شباب امرأة" كمعادل سمعي للنشوة الحسية. بكاء السيد أحمد عبد الجواد عندما رأى كمال الطفل في المشهد الحسيني—الحسين ابن علي و أبو الزين— يدعو الله أن ترجع أمه للبيت، و يقول "مكنتش اعرف أن خاطرك كبير عند سيدنا الحسين كده". ثم يرجع أمينة لبيتها و أولادها.

و مادام الحب موصول ما بين مكة و القاهرة و البصرة، فأي جلال أن يمتد حتى إسبانيا، مرورا بفلسطين و فرنسا. في الرابط بأسفل "آه يا زين" ممتزجة بالفلامنكو، غناء فرقة آلابينا (مغنية الفرقة عشتار إسرائيلية المولد فرنسية الإقامة لا قبل لها بالسياسة علي حد علمي، فإن كنت تحسب الاستماع إلى صوتها لونًا من ألوان التطبيع، فبالطبع لا تضغط الرابط!).

"يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام و لا تحبونا حب الأصنام، فمازال بنا حبكم حتى صار علينا شينا".

هكذا قال علي زين العابدين، كما روي. إلا أن اللسان الذي تغنى بعشق الزين لا يداني الكفر و لا يداخل الشرك، فالحب صاف و الشوق ضاف، و السرائر تفيض تولهًا و تطلبًا.

السلام و التحية عليك يا علي يا زين العابدين، يا من كان حبك إلهامًا لألسنه تغنت بك، و لم ترك.

أضغط هنا.

.......................................................

الصورة: رسم رمزي للإمام (عامة) لدى الشيعة.

Thursday, September 06, 2007

كلاكيت تاني مرة-- بمناسبة الاشاعات الدنيئة ضد رئيسنا المحبوب



تتقدم محافظة المنوفية و مركز محلي منوف و السادة اعضاء المجالس المحلية و البلدية و كبار رجال هيئة الصرف الصحي و التأمين الصحي و علي و محمود صحي و جميع ابناء المنوفية في عموم الجمهورية بالتهنئة الحارة و الدعاء المستجاب لخفي الألطاف و لبيب الألباب كبير كبراء المنوفية و مهندس محو الأمية إمبراطور الضربة الجوية و معالج النزلة المعوية نصر عبده و جل حمده و هزم الاحزاب وحده سيد الحناكش و عم الشباب و عميد عمداء الجمهورية حسونة الفطاطري الشهير بالحنكوش المخيف ذو الفتوة و المنعة ذو الثمانين ربيعا و الخمسة و العشرون بديعًا علي خطبة جلالته التاريخية التي فيها وعد و اوفى، و قدر و عفى، و اخذ و اعطى، و قدر و لطف، و صال و جال، و اعتدل و سدد، فكانت في تمانيات الوطن هدفًا غاليًا و أملًا مبتغى و مرحلة جديدة من مراحل العمل الوطني علي هدى خطة تلاتة خمسة اتنين و افتح ع الونجين يا حلبسه، مواصلًا مسيرة المستقبل بمسئولية و أمانة وسيادة و استقلال و ارادة و صمود بروح العبور و ايطاليا تسعين، مادام في الصدر حليب و مادام الخال والد، بلا اهتزاز أو زعزعة أو معمعة أو شخلعة، بلا ابطاء و لا إنحناء و لا لين و لا هوادة و لا ضغوط و لا تحاليل و لا حجوزات. نسأل لكم المولى مصر بلا سكان و أمن بلا احزان و بحر بلا شطآن و ايكش تولع، ادامكم الله حنكوشًا مخيفًا تهابه كتاكيت الظلام و عششه إلى ابد الآبدين و إلي أن تحترق النجوم و حسادك يموتوا بغيظهم، وفقكم إلي ما فيه خير المنوفية، و عشت يا غالي جبينك عالي.

إمضاء

جمعية زهور المنوفية الاهلية بالاشتراك مع كوافير الأموّر (سعيد بوستيج) و فرن بحبك يا ريس للحاج ابو سماعين و ابنه مخلوف الشهير بالاهبل

Tuesday, September 04, 2007

..مقتطف


غرفة الأب متشحة دومًا بسكون حذر. دائرة كاملة من الوسائد العتيقة حول المبخرة الكبيرة الموشّاة بزخارف غريبة. يحتفظ الأب -بالطبع- بمكان الصدارة في مواجهة الباب. وسادته الوثيرة ذات اللون الأرجواني المغبر تعلو قليلاً عن أخواتها في إعلان حقيقي للسيادة. الغرفة مغلقة الخصاص دائمًا عن تلك الشرفة الخرسانية الرخيصة التي تطل على زخم الحارة التي ضاقت بأرواحها الهائمة. تسبح الغرفة ليلاً ونهارًا في نور مصباح كهربي رخيص نوره أقرب إلى الظلمة، وعند بدء الجلسات التي وهب الأب لها سِنِي حياته العجوز تُشعَل شموعٌ سبعٌ من حول الدائرة. كل شمعة لها حامل مزخرف مثلما هي المبخرة العملاقة. لم يشاهد هو ذلك يومًا، ولكنه يعرفه.

يتحرك بتؤدة ماسحًا أرض الغرفة بالمقشّة. يطارد التراب المستقر في هدوء مستفز فوق الأثاث. يجيل عينيه في الغرفة. هي نسخة مكرورة من كل غرفة كانت للوالد يومًا. تذكّر أيامًا ليست بالبعيدة جدًّا. الترحال الدائم. وجوه أكثر من أن تحصى. شوارع مغبرة. سيدات يتحرقن شوقًا إلى تقديم المعونة. كلاب يخافهم ويقول أبوه إنهم يخافونه أيضًا. في كل مدينة كانت غرفة. وفي كل غرفة كانت مبخرة ووسائد وشموع. في كل غرفة كان هذا الصنم. صنم غريب لشكل لا يستطيع أن يحدده. يمسحه بالقطعة القماشية في خوف. تهتز يداه ولكنه يتمالك نفسه. يسند الصنم إلى منضدته ويواصل المسح ببطء حريص.

ينظر إليه. هُيّئ له رؤية عين. عين محفورة في هذا الصنم. رأي لمعة بغيضة ترقد في أقاصي تلك العين. غمره ذلك الشعور بالكراهية. الخوف والكراهية.

حمله أبوه ليواجه المرآة. ابتسم ونظر إلى وجهه وقال أن انظر. همس له ماذا يا أبت؟ قال له أنظر عينيك. إنهما عيناي. ذات العينين اللوزيتين. بالأمس كان لي شعرك الأسود الفاحم. يبتسم له أبوه وهو لم يملك غير أن يبتسم. الصنم مثل كل هؤلاء يا بني. يقول له أبوه إنه قد ورثه عن أبيه. وإنه ولا بد وأن يورثه لابنه. وابنه ولا بد أن يورث أحفاده. مثلما كانت العينان ولون الشعر وتفاصيل الدم وصدق الحدس. يبتسم أبوه.

هو لا يريد هذا الصنم. لا يريده.

نظر في العين الشريرة مرة أخرى. خُيّل إليه أنه يرى فمًا. الفم يبتسم. ابتسامته شريرة مقيتة. ابتسامة لذئب قبل انقضاضه.

يعلم هو أنه لن يكسره. لن يلقيه إلى الأرض ليتمزق ألف قطعة. سيورّثه بكراهية إلى ابن يحفظه بكراهية. لا يستطيع هو أن يكسره. يبتسم الفم. تصرخ عيناه.

...............................................................

من الصنم—رواية—يناير 2009.

لمقتطف أخر رجاء الضغط هنا.

..مشهد




افان تيتر1—المقابر—نهار خارجي

- عائلة عبد المجيد عزام تقف في حزن أمام المدفن الفخم. السماء بيضاء و الجو صاف و الأرض ترابية مغبرة. تقف امرأته ليلي عثمان وسط نساء العائلة. هي أنيقة مثلهن، و لكن ذلك المنظار الشمسي الأسود، الذي يستقر علي وجنتيها البارزتين، و فمها ذو الشفاه الرفيعة المطبقة بحزم، و الدانتيل الأسود الشفاف الذي يستقر فوق شعرها الأسود المصبوغ منحوها هيئة المرأة الحازمة لا الحزينة، خاصة مع تلك الالتفاتات الوئيدة البطيئة، النظرة الفاحصة المدققة من عينيها العسليتين من وراء المنظار. تدرك هي قوتها و يدرك الباقون ذلك، لا يبدو أن تخطيها سن الخمسين قد أضاف إليها ميراث يأس نسائي بقدر ما زاد سطوتها بتجربة سنين ملئها الاعتداد. تقف معها امرأة ابنها يوسف و بعض النساء علي بعد محسوب منها.. بجوارها و لسن بجوارها. يبدو عليهن الحزم و تبدو الدموع في عيني سلوى امرأة يوسف و لكن ليلي وقفت منتصبة كتمثال مرمري لا يبدو أن الزمن سيلقي عليه بظلاله. يخرج الابن، يوسف، شاب وسيم في منتصف العشرينات. له عنين واسعتين و جسد رياضي. يبدو كصورة بشرية من الفهد في خفة حركته و حلته السوداء، التي تغبرت قليلًا من تراب القبر، تستقر عليه و كأنها جلده. يخرج معه رجب الفيومي، الذراع الأيمن لأبيه الراحل بتلك الجهامة التي تلقيها هيئته الجسدية و وجهه الأسمر الصارم. يحرج وسف كولي لعهد تلك المملكة التي بناها عبد المجيد عزام بالدماء و الخوف و الدموع. يجيد يوسف التعبير عن تلك القوة و لكن بنزق يظهر في العنف البسيط في حركاته. يبدو مفعمًا بالقوة و الشباب و في عينيه ترقد عدوانية حيوان مفترس. يخرج إلى أمه التي تشير بذقنها بتؤدة و بطء في اتجاه ما. ينظر يوسف إلي ما تشير إليه أمه.

- من بين أجساد الرجال ذوي الحلل السوداء و الأجسام المنتفخة و الرؤوس الحليقة نري مصطفي منتصبًا. منظار شمسي لا هو بالغال و لا هو بالرخيص، مثل ملابسه ذاته: الحلة السوداء و القميص الأبيض بلا رباطة عنق. بلي، ملابسه ليست بالغالية و لا هي بالرخيصة و لكنها كانت تناسبه. يوجد أنواع من البشر يمكنهم ارتداء أي شيء فيظهرهم علي ما عداهم. يبدو مصطفي وسيما، في أواخر العشرينات، يميل إلي الطول و جسده معتدل رشيق. لا تعكس ملامحه سوي الجمود الذي يعكسه الرجال حينما يحزنون بشدة، و حينما يمتلكون تلك القدرة علي ضبط أعصابهم كما يوصيهم من ربوهم. ينتصب مصطفي وراء الرجال كتمثال، يضع راحته اليمني المفرودة فوق أختها علي نهاية بطنه. يمط شفتيه قليلًا.

- يتقدم إليه يوسف بخطوات واسعة شرسة. ينحي اثنين من الرجال عن طريقه. نكاد ان نجزم انه سوف يهجم علي مصطفي و لكنه يتوقف قبل مسافة غير قليلة منه. يهتف

يوسف

ايه اللي جابك هنا؟؟!

- يصمت مصطفي قليلًا. يمكننا رؤية الرجلين المنتصبين كل أمام الأخر و كأنهما في احدي مبارزات السيوف في العصور القديمة، فقط قبل لحظة من نزع السيوف عن غمدها الآمن و الاشتباك. ريح تمر حامل كيسًا بلاستيكيا بينهما. يسود الصمت بينما نظر رجال و سيدات العائلة وراءهم إلي ما يحدث. تتردد النسوة ما بين الخوف و الترقب، و الرجال ما بين التحفز و التعامي، بينما تأهب حراس العائلة للأسوأ. وحدها ليلي جمدت ناظرة إلي ما يحدث و شعور واحد يأكلها. الكراهية. يقول مصطفي في نبرات متزنة.

مصطفي

جاي اودع ابويا يا يوسف

يوسف

لا هو ابوك و لا انت اخويا.. و اتفضل امشي من هنا..

- ينظر مصطفي إلي أسفل للحظة، ثم يعود بنظره إلي يوسف المتحفز، يقول ببطء

مصطفي

مش كلامك اللي بيحدد يا يوسف..

يوسف

امال ايه اللي بيحدد؟؟ كلامك انت؟

- يصمت مصطفي للحظة، ثم يرد بهدوء.

مصطفي

الدم يا يوسف.. الدم..

- يحدق مصطفي إلي وجه أخيه الأصغر بنظرات ثابتة. كذلك يفعل يوسف ناظرًا إليه. لا يمكننا تخيل نظرة حاقدة، شرسة، كريهة أكثر من تلك النظرة التي يلفح بها أخيه الأكبر. تتوتر عضلات وجهه و جسده، بينما تسكن عضلات مصطفي و هو ما يزال علي وضعيته. هنا يتعالي صوت ليلي الآمر.

ص- ليلي

يوسف.. يالا بينا من هنا..

- يرميه يوسف بنظرة أخيرة، يلحق بالركب الذي تحرك بكلمة واحدة من ليلي. يتوقف المقرئ الذي جاء خصيصًا ناظرًا إليهم في دهشة ما ممزوجة برهبة، كذلك صمت الأولاد الصغار المتسخين الذين دوما ما يتوددون بطلب الشحاذة من أهالي الموتى مستغلين الحدث الذي يفكر الناس بالآخرة قبل الدنيا، و كأن عائلة عبد المجيد عزام تجيد صنع مثل هذا النوع من التوتر و الخوف و الرهبة من حولها أبدًا، و كأنها تنجح في إقناع من يراها بأنها مؤسسة لا تعرف إلا الدنيا ببطشها و قوتها.

- ما يزال مصطفي واقفًا في مكانه. عربات العائلة الفاخرة محاطة بعربات الحراس ذوات الجر الرباعي تتحرك مثيرة للغبار، كلبين يمرا من ورائه و يبدو عليهما البؤس. المقرئ و الصغار ينظرون إليه صامتين. يطرق مصطفي إلي الأرض صامتًا، دون أن ينبس ببنت شفة.

- تلاشي بطئ-

-إظلام-

- تيترات-

Monday, September 03, 2007

وداعا


رجاء بلمليح في ذمة الله

اسمع هنا و هنا

Thursday, August 30, 2007

الحب من بعيد

عندما تطير بك عربة حديثة فوق المحور في اتجاه عكسي، و الساعة السادسة صباحًا، و أنت تترك ذراعك كلها للهواء الذي يتعالى على يدك المبسوطة، ربما تتمنى أن تطول هذه اللحظة للأبد.

السماء بيضاء، و زجاجات الخمر الفارغة ملقاة ورائك، و أنت لم تنس أن تلقي بعلب السجائر الفارغة خارجًا، لأن الكابوس سيكون عندما تفتح بيد مخمورة ثلاثين علبة فارغة، بحثًا عن لفافة تلتف حول دماغك، الملتفة بدورها حول بحيرة صغيرة من الخمر، تلتف بدورها فوق نفسها كحمامات الجاكوزي.

قبل قليل كانت الأفخاذ الناضجات حمراء و صفراء و برتقالية.

اجلس فوق أريكة. أرخي يدي بالكأس. شفتاي تحملا السيجارة بخفة، و لا تحملاها، مثلما يحمل الهواء ورقة شجر. لاكي لوك مثالي يلتحف بالصمت و السكون ستارًا يخفي خجلا غير منطقي. عندما يدفع ذاك الشاب رفيقته إلى الخلف، راقصين، محاولا اختطاف قبلة من شفتيها الناضجتين، يرتطم ظهرها بظهر احدهم. تعتذر نصف اعتذار يستقبله الرجل بربع اهتمام. فتاتان يعانيا من متلازمات الوحدة و إفرازاتها يرقصان وحدهما. مازلت واضعا ساق فوق ساق.

غرباء في الليل.

سألت نفسي لِمَ تكشف تلك الفتاة بطنها المتمددة. لم يبد الأمر منطقيًا، بالضبط كجلوسي فوق الأريكة.

اتعب من الاسئلة، و سلمت نفسي لدوامات لطيفة تدور فوق بعضها. من اللطيف أن تترك كل الأسئلة، و أن ترخي الجفن، في مواجهة هواء يقتحم سيارة حديثة، تمشي في اتجاه معاكس.

استراحة قصيرة: وجه من الماضي

Monday, August 27, 2007

حيرة؟

نهير صغير يشق دماغي..


انتظر صديق في المقهى يبدو انه قد مل من الانتظار و رحل.

احمل حقيبتي. امشي في شارع هدى شعراوي الذي تتراوح تفاصيله ما بين إقبال و إحجام تبعا للضوء الشحيح الذي استغربه دوما لشارع في مثل موقعه. ادخل لبار "ستلا"و اسلم على رجل عزيز عليّ. اعرض عن دعوته للجلوس بدافع مبدأ الزيارة الخفيفة. اقبله و أشم رائحة البيرة التي غلفته. اخرج من البار، و أعود خطوات قليلة لأمر بـ"زهرة البستان". كان يمكنني الدخول في الممر الذي ترقد علي ناصيته شركة الخطوط الجوية التونسية، و لكنني أقوم بمناورة مملة فأدخل في شارع "زهرة البستان" لأعرج يسارًا حتى أعود لنهير شارع سليمان باشا، لأولج نفسي في الممر سابق الذكر. عينيّ تستعرضان الجالسين فوق كراسي المقهى. أعبرهم كما اعبر استوريل في وسط الممر و مدخل نادي السيارات الذي كان ملكيًا في مواجهتي، هناك، عبر نهير قصر النيل. امشي إلى اليسار قليلًا، بوسعي أن ادخل "الجريون" لاستعرض جالسيه برتابة و لكنني أعرضت كما فعلت مع دعوة العزيز. أدخل في الممر الذي يسند يساره ملهى "الأفتر آيت"، و أمر ببائع الزهور علي يميني قبل أن انعطف أنا بدوري جهة اليمين. عندما أنحرف يكون المطعم المتواضع الذي يبيع رواد قهوة مهران—التي أسموها افتر آيت بدورها—أصناف من المحاشي و الممبار. إلى يساري يكون حسن رياض صاحب برج الحمام الذي أطلقه صوت منير بهجة. أسلم عليه و أنا أقول بابتسامة ما:

- و كأنني اعبر بك مرة ثانية في نفس اليوم.

نظر لي و اتسعت ابتسامته الطبيعية قليلًا قبل أن يقول:

- عندك حق.. و كأنك بالفعل تعبر بي بعد ساعتين أو ما يزيد قليلًا..

رأيته بالأمس، جالسًا في ذات المكان بالضبط، و يبدو عليه أنه ينتظر ذات الطلبات، و كنت أنا ارتدي ذات الملابس، و حالق لذات اللحية. وبكرمه المعتاد لم ينس أن يعرض ذات العرض:

- طيب اقعد واشرب شيئًا هذه المرة.. بجد..

ابتسمت و أعرضت مرة ثالثة بينما هو يلحف بسلامة طوية. تأخذني قدميّ لعمق الممر. الناس عن يمين و عن شمال. محل الكبدة علي يميني و علي يميني أيضًا محل "سعد الحرامي" بعدما ودع عربة الفول المتهالكة في شارع شامبوليون، بجوار المدرسة التي أغلقتها السلطات. أعبر بكل هذا، و يكون نهيرًا آخر يسمى محمود بسيوني أو الانتكخانة. أعود بقدميّ خطوات قليلة إلى اليسار، و ادلف للشارع الضيق الذي يرقد محل الحمر اليوناني علي ناصيته. على يساري مقهى صغير جدا لا يكف صاحبه عن شتيمة "كفاية"، و بعده مباشرة نت كافيه مغال في أسعاره و بقالة ومدخل بيت يليق بوسط البلد. أيضًا على يساري تقع المدرسة، و الممر الصغير الذي كان سعد يقف بعربته في آخره، مواجهًا مقهى روميسا.

شارع عجيب يمتد لما بعد التاون هاوس الذي يتثائب في ناصية قريبة، و علي يسارك تجد التكعيبة بكل روادها. مصدر عجبه هو أنه ببساطة يمتد، بينما احسبه أنا جثة هامدة و واقع افتراضي فيما جاوز التكعيبة و التاون هاوس. عرفت أن اسمه حسين المعمار و أنه بالفعل يمتد فيما بعد التاون هاوس ببعض من الجرأة و كثير من الوقاحة ليضم مسرحًا تجريبيا يدعى روابط. سيكون علي يسارك إن أكملت شارع المعمار الذي هو حسين و لكنني و ببساطة أورثتها العادة انحرف يسارًا. بالأمس قابلت صدفة صديقة اعرفها عن طريق الانترنت. تعرفت وجهي و تعرفت وجهها بينما أنا أتحدث في التليفون و ابحث عن وائل سعد و مجدي الشافعي. سألني صديقها المصري إن كنت اجلس هنا دوما فقلت بحسم إنني أُفضل "منه فيه". هو يعرف مقهاي الذي أسميت و يهز رأسه بلا معنى ثم يخبرها أن روايتي كانت من أكثر الروايات مبيعًا في العام المنصرم. تشكر يا مولانا.

اليوم اجلس قليلًا مع مخلوف و قنديل اللذان أحبهما. يسميني قنديل عبد العزيز و اكسل أنا عن رد تحرشه الودود. أصل إلى بيت وائل سعد المؤقت، و الذي يحتل ناصية التكعيبة—علي يميني بالطبع و أنا قادم من ذاك الاتجاه—و أنا أفكر للحظة في أن أنهر وسط البلد الصغيرة، بضفافها التي يرقد بها ما لا نستطيع حصره من محال و عمائر و بشر و كائنات خرافية في كثير من الأحايين، تنحت أنهر أخرى من الأفكار في الدماغ، أفكار ترقد علي ضفافها الحياة ذاتها، أو ما تبدو أنها كذلك.

بينما أنا أغلق باب مصعد وائل الخشبي، بعدما أبديت افتناني – لمرة أخرى و ليست أخيرة–بزر الاستدعاء الذي يسطع لك بكلمتي "سيحضر" و مقابلتها بالفرنسية، مستنشقًا رائحة الزمن القديم المتماهية مع بعد المكان ذاته، وجد نهير صغير طريقة جديدة لشق دماغي؛ إذ أن مولود وسط البلد لا يستطيع التخلص من سطوتها، مهما ابتعدت به المسافات، أو حتى قربت.

Sunday, August 26, 2007

..لؤلؤ و مرجان



سألوا البنت الإيرانية الصغيرة، ذات العشرة أعوام، مارجي:

"ماذا تحبين أن تصبحي عندما تكبرين؟".

"نبية!".

قالتها مارجي في فخر و إيمان عميق.




قرأت بالأمس الترجمة العربية لرواية مرجان ساترابي البديعة "بيرسيبوليس".

رشاقة الحكي تمنح لك متعة صافية، بالامتزاج مع الأسلوب البسيط في الرسم، فكانت رشاقة و بساطة و جرأة ايضا تعطيك ضحكات صافية. البنت الصغيرة، مارجي، التي عندما اشتكت مدرستها لأبويها مما تظنه اختلالا اجاب والديها في بساطة "فليكن". و عندما سأل الزوج مارجي الصغيرة السؤال مجددًا، أجابت في لؤم "طبيبة"، بينما كانت كلمة نبية هائمة في رأسها.



لِمَ كانت مارجي الصغيرة تأمل في أن تكون نبية؟

من اجل تخفيف ألم ركبة جدتها العجوز، باعتبارها نورًا سماويًا يدللها الله و يأخذها في أحضانه. و عندما سألتها الجدة كيف سيكون ذلك، أجابتها بصفاء "أن ذلك سيكون ممنوعًا..هكذا ببساطة".

تعيش مارجي مع أبوين يتظاهرا و ينشطا من اجل الثورة. تعيش معهما تجربة إيران في العام 1979، كما تعيش تجربتها هي الشخصية في القراءة، و المادية الجدلية، و ماركس الذي هو يشبه الله و لكنه ذقنه و شعره أكثر تجعيدًا.

كانت مارجي تعيش حالة صداقة حميمة مع الله. البابا نويل الذي يمضي معها الليالي متفكهًا، و يزعل منها عندما تقول لأبويها أنها تنوي أن تكون طبيبة.





و في يوم زعلت مارجي من الله.

طردته، إلي عير رجعة، من غرقتها الصغيرة.

و لم يظهر لها الله ثانية، كما لم تعد طهران هي ذاتها التي كانت تعرفها أيام الشاه، كما لم تعد أمها مطلقة لشعرها، تلك الخيوط التي "ترسل أشعة سحرية لإغواء الرجال". هذا بالضبط كما قتل أصدقاء والدها و أقربائها من الشيوعيين، كما كان تداول شرائط مايكل جاكسون أو البوسترات الملونة لأيرون مايدين—الذي أخفاها لها والدها في بطانة المعطف عندما رجع من رحلته لتركيا—ممنوعًا. بالضبط كما كان من حق الأخوات في الثورة أن يوقفوا مارجي من اجل ارتدائها حذاء نايكي.



بيرسيبوليس. مدينة الفرس. الموقع التاريخي الذي ألهم اسمه رواية مرجان ساترابي الحائزة علي الجائزة الأولى من أنجولم (مهرجان دولي للكومكس يوازي مهرجان كان في أهميته)، و حصل فيلم التحريك المستوحى عنه بذات الاسم علي جائزة التحكيم الخاصة من مهرجان كان. في العام 1970 أقام محمد رضا بهلوي احتفالا مدويا في بيرسيبوليس بمرور 2500 علي الملكية الفارسية. وزع طن من الكافيار في أيام ثلاثة، و أرطال من لحم الطاووس. يقولون أن الميزانية غير المعلنة قد تعدت المئة مليون دولار، بينما هناك أناس يموتون من الجوع في أنحاء إيران.

2500 عامًا من العبودية و الانبطاح مثلما قال والد مارجي، و الأمل كان الثورة. الثورة التي لم تكن أبدًا مرضية لا لمارجي و لا لأبويها.

ما بين محمد رضا بهلوي و الخوميني، و الحجاب و السفور، و الساواك و حرس الثورة، والخمر و اللطم فوق الصدور، والعرب و الفرس، والإسلام و الزاردشتية، والعراق و إيران، طياري الاف 14 و مطلقي اللحى؛ كانت بيرسيبوليس مرجان ساترابي. مدينة الفرس التي ارتمت بين دفتي كتاب.

ربما الأمر كما لخصته مرجان|مارجي في تقديمها لروايتها المصورة

"علينا أن نسامح، و لكن لا يجب علينا أبدًا أن ننسى".

.............................................

لموقع فيلم يبرسيبوليس الرسمي: اضغط هنا.

Sunday, August 19, 2007

......


من تقنعه بحبك تقنعه بقتلك..

من القدم—رواية.

Friday, August 17, 2007

..كادرات





محمد علاء الدين و محمد فتحي

سيلانترو التحرير

2006

تصوير: أحمد العايدي

Monday, August 13, 2007

اتفضل قهوة..


أدخل من باب المكتب. امشي في الرواق الطويل المفضي للحجرة التي استخدمها. لا حاجة بصبي المكتب أن يسألني عما سأشرب. دقائق و يكون كوب كبير مترع بالبيبسي. الثلج يطفو مثل الذنوب فوق الروح. المشروب الصباحي المفضل الغريب، في هذه الفترة الغريبة؛ بارد و مُقوى بالكافيين. بعد نحو ثلث الساعة يدخل عليّ بكوب آخر. ثم ينتظر قبل أن اهاتفته في الخط الداخلي، طالبًا منه الكابوتشينو بالطريقة التي أفضلها؛ مزيج قوامه الحليب فقط، بلا أثر للماء.

كافيين.

أقرأ جرائد اليوم، و أدخن سيجارتين، و أنصت لصوت التكييف.

لا حاجة لي بالقدوم كل يوم، لأنني لست "موظفًا". و لكنني أنزل في بداية الظهر. حقيبتي فوق كتفي بعد حمام صباحي وئيد معتاد. لا أفطر و اكتفي باجترار الكافيين، و بعض من الأفكار. امشي إلى حيث مكتبي، غير البعيد عن منزلي، بهدوء تسانده دعة الأشجار التي تزن طريقي، كما يزن المخرج إطار صورته.

"أنا مش بتاعة الكلام ده.. أنا كنت طول عمري جامدة..."

صوت شيرين.

أدخن سيجارتين، و أجرع قهوتي الايطالية، و أتصفح الانترنت. ربما ابتسم، و ربما لا. تبدو لي الرحلة من و إلى المكتب كالحجيج. حجيج يومي يملأ ساعات حياتي التي اكتشف في كل يوم أنها مثقلة بكل شيء، و مستغنية عن كل شيء في آن. يفتح بعض الناس الباب أحيانًا. نبتسم و نلوك الكلمات. انظر بتركيز لسطح المكتب الذي يعكس النور القادم من الشباك الكبير العريض ورائي.

"المرة دي إيه جرالي.. أنا ليه مسلمة لك؟!"

صوت شيرين مرة أخرى. من هواياتي الممجوجة إنني اترك الأغنية تتكرر في أذني إلى ما شاء الله. ربما تعبر سنة أخرى قبل أن أفكر في سماعها ثانية، بعدما حفظتها علي ظهر قلب. هواية ممجوجة ربما أمارسها في الذهاب إلى المكتب الآن. أفكر انه باستثناء الكافيين و السجائر و الموسيقى و القراءة و الكتابة؛ ربما اقترف هذه الهواية، القتل بالتكرار، بامتداد حياتي.

أدعو نفسي لقدح من الكابوتشينو مرة ثانية. سنجلس معا، أنا و ذاتي، لنقتل كلانا بالتكرار...

هان..الود..عليه


قالوا لى هان الود عليه و نسيك و فات قلبك
وحدانى ..

رديت و قلت بتشمتوا ليه؟!

هو إفتكرنى عشان ينسانى؟!!!

محمد عبد الوهاب

اسمع هنا

Sunday, August 12, 2007

نقاط..


اعرف، بالضبط، عندما يدفعني ذلك النهير الصغير في داخلي، أن الكتابة تمتعض.

ذلك التوتر الخفيف علي أطراف الأصابع، و الشرود العجيب في الذهن. خاصة عندما تجاهد مشقة ترتيب العبارات و الجمل في عرَض نادر. لا اعرف ما الذي أود الكتابة عنه حتى. أفكر في اللقطات القريبة الصامتة علي وجوه ربما لا نعرفها. كنت أود أن أقول أنها انتقام عنيف من زمان يحمل دمائنا فوق قفازاته الفاخرة. أحسست إنني لا استطيع إكمال الكتابة في هذا. التركيز يسافر إلى بلاد العجائب.

مذ الصباح و أنا انظر للدنيا من حولي بلقطات واسعة. يضايقني شيء في براءة الصورة. و كأنما أضيف بعد جديد لما أرى و أنا عاجز عن تمييزه. تظل اللقطات خاملة بريئة مثيرة للريبة. توتر في ظهري، لا بالمؤلم و لا هو بالعابر، يضاف إلى غرابة أحاسيس اليوم. أعاني من شبه حساسية لا اعرف مصدرها. فقط أميز طعمًا ما في الفم و رائحة ما في الأنف. اشعل سيجارتي و لا أبالى، تماما كما انقر أزرار الكومبيوتر الآن. عنادي المعتاد. أظن إنني سابقي بخير مادام هو.

مازلت أجد مشقة فيما اكتب عنه. حتى و أنا اكتب الآن. تجول برأسي أشياء كثيرة. اطردها عن تكاسل أو نتيجة عجز عن التركيز. ربما كلاهما. أفكر الآن إنني استخدم النقاط الحاسمة بديلا عن الفواصل هنا. وضعت توا نقطة أخري و ابتسمت. لا اعرف أن كنت يجب علي أن أكمل حديث ما عن لقطات قريبة، أو عن امتعاض الكتابة، أو عن توتر يرجف أصابعي و يشد ظهري، أو عن الحساسية التي تستعمرني، أو عن النقاط التي تجعلني باسمًا، قبل أن انتقم منها هنا بالفواصل. ها هي نقطة أخرى تخرج لي لسانها. و نقطة أخرى. و نقطة أخرى. أين هو عنادي المعتاد، هذا الذي أظنني بخير ما دام هو بخير؟، أين ذاك الوغد الذي جعلني أكتب ما اكتبه الآن بلا منطق، بينما الحياة، بنقاطها، تحاصرني و تصب نفسها في كتابي؟!

Persona








A 1966 film by

INGMAR BERGMAN

Head Of Julia

by

Frank Auerbach

..حقيبة


في أحايين كثيرة، أحس وكأنني دائمًا شخص يحزم حقائبه للرحيل. لا يعرف إن كان سيرحل بعيدًا أم قريبا. لا يعرف حتى ماهية المكان الذي يغادر. هو شخص يحزم حقائبه للرحيل و حسب، و ربما، فقط ربما، يساءل نفسه إن كان سيرحل فعلا أم لا. يرتب ملابسه، والجوارب، وبعض ربطات العنق، وبعض الأحذية. بعض من التذكارات التي لا يعرف لِمَ لم يتركها كما لا يعرف لِمَ يضعها. شخص يجاهد في زنق كل هذا داخل حقيبة صغيرة و يعد نفسه في كل لحظة هاربة أنه سيبتاع حقيبة أكبر. يرتب حقائبه لمدة ألف عام، في نفس المكان، و نفس الملابس، و نفس الإكسسوارات، و بالطبع، نفس اليدين.

Monday, August 06, 2007

..بابل.. اخيرا



نائل الطوخي

بابل مفتاح العالم

أغسطس 2007

عن دار ميريت