


علي بعد 95 كيلو بس من اراضي الكولونيل "جدافي"، و علي بعد 12 ساعة من السفر البري من القاهرة، كنا نايمين و واقفين و مبهورين. كنا بنضحك و نجري و نفكر و نتنهد في سيوة.
تلات ايام بالظبط كانوا غريبين عن الحياة، كأننا دخلنا في جب الزمان أو استخبينا في عباية ساحر ظريف. بس، و للحق، العباية دي كانت بوسع عالم بحاله.
سيوة واحة اهلها طيبين—أو اشرار مفتريين علي قول بعضهم—بتمشي في الشارع الناس تضحكلك، تخش تشتري حاجة يحلفوا عليك لاتشرب شاي. ناس عندهم اللي يضرب التاني بالقلم يدفع عشر تلاف جنيه يا يتجرس و ينطرد من القبيلة، و اللي عايز يتجوز يدفع تلات تلاف جنيه مهر و اوضة نوم و يتوكل علي الله. تلات ايام في سيوة و احنا و لا شفنا متسول و لا محتاج، و بأف يرمي قفاه عليك و يبتزك بكل اللي يقدر عليه. مرة واحدة بس، قبل السفر بدقيقة، حد جه لعادل سلامة و طلب منه سيجارة. الكيف يعذر و احنا أول خدامين.
سيوة اللي الهوا فيها ليه ريحة حلوة، و الزمن بيجري من غير ما تحس بيه لكن بتحس بالاشباع. الايام جريت زي الارنب الهمام بس الواحد فعلا انغمر بموجات المحبة و الهدوء و الصفاء اللي بتشع من سيوة و من اهلها و رملها و بحيراتها الهادية العسل.
جه يوم و قضينا من الساعة اربعة الصبح لغاية الساعة سبعة و نص (الصبح برضه) في اطلال مدينة شالي القديمة، اللي هي مركز سيوة. كنا نقدر نشوف العظم مختلط بالرمل و الحجر في بقايا المدينة الرأسية،اللي اقامها اهل سيوة علشان يتحموا من هجمات قبايل البربر. شفنا الشروق من فوق اعلي نقطة فيها، و الأجمل لما كنا قاعدين هناك قبل الفجر بشوية، و سيوة كلها النايمة من تحتنا، و سألنا عمر عن ايه الامنية اللي نتمناها حالًا. قلت انا و حاتم امنيتنا، بس ربنا ابتسم لعمر طوالي، و كانت امنيته بين ايديه لما رن تليفونه المحمول فجأة، و استأذن مننا، احنا الذئاب الوحيدة في عز بكارة الدنيا.
و علي ذكر الديابة، ففيه اصرار متناهي من حمير سيوة علي اعتبار نفسهم ديابة. كان النهيق في الاول—من عمقه و وحشيته في ضل آخر نقطة من الليل—بيخلينا نقول يا ساتر! ديب؟! بس كانت فرملة الميتسوبيشي المعتادة في آخر نهيق الحمير بتطمنا. دي حمير يا بقر!
الصحراء محتاجة اعتذار حتمي من اولاد المدينة اللي بيبصولها بعين التشكك و الريبة، و من المثقفين اللي شايفين انها اصل كل بلا، الصحراء بحر متنكر مفرود قدام عينينا و بيفكرنا بسنين بعيدة كان فيها الانسان حر و منطلق من كل قيد. الغريبة اننا ولاد بلد صحراوية بأكترية المساحة، بس اغواء الزراعة، و النقوش المنمنمة فوق حيطان عماير وسط البلد، خلونا ننسي الصحرا باللي فيها، و نختصرها في ذيبة و جيموا الافراح! و حبة عقارب و تعابين مرشوشين هنا و هناك.
يومنا الاخير الكامل—لأننا سافرنا تاني يوم بعديه طوالي في اوتوبيس الساعة سبعة الصبح—قضيناه في حضن الصحرا و معسكر مدام "حياة" الدافي، اللي هو محضون كمان بـ"الكستبان الرملية" علي رأي حاتم.
الحياة صدف و لو انكر ذوي البايب. طلعت مدام "حياة"—صاحبة المعسكر—صديقة لعيلة عمر هي و ابنها، و بكده ضمنا فطار مجاني و بيبسي كانز قفعناهم انا و حاتم.
الشروق من وسط الصحرا معجزة حقيقية بتفكرك بسيدنا المسيح في ميلاده و سيدنا موسي في عبوره للبحر. ألوان فوق السما تخليك ما تستغربش لحظة ليه أهل الصحرا كانوا دايما بيدوروا علي رب. النجوم اللي هربت من وش المداين جت و زهزهت فوق حتة القطيفة الناعمة اللي حطوها فوق سيوة
و كمان عرفنا لغة اهل سيوة الامازيغية (تقريبا) اللي فيها الحمار اسمها يِزيط و الديك اسمه يَزيط.. و طبعا بنظرة سريعة علي العنوان تاني ح تعرف معلومة اضافية عننا.








































