designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Wednesday, October 31, 2012

مصر هبة الجيش....



يبدو أن المؤسسة العسكرية لم تستوعب حتى الآن ما جرى في 25 يناير.

لقد التقى الجنرالات برجال الإعلام قبل أيام قليلة، ثم فوجئنا بثلاثة مقالات لصحفيين مشهورين تنذر بما اسماه أحدها "غضب الجيش". قد يتبادر إلى الذهن أن عبارة كهذه تعني غضب الجيش من الإرهابيين في سيناء، أو من إسرائيل التي تسرق غازنا الطبيعي من البحر، ولكن الحقيقة هي أن المؤسسة العسكرية غاضبة من رئيسها الأعلى. ولِمَ الغضب؟ هل من قرارات تنظيمية لم يستشر فيها قادة الجيش؟ أم من أمر استراتيجي في إدارة معركة؟ أم ماذا؟ الحقيقة أيضا، كما أكدت المقالات، أن الجيش غاضب من احتمال التحقيق مع المشير طنطاوي (متقاعد) والفريق سامي عنان (متقاعد)، وبالطبع لن يسكت الجيش إن قررت السلطات القضائية في بلدنا العامر توجيه الاتهام لهما في حوادث كثيرة ومآسي عديدة منها ماسبيرو والعباسية- وللحق قرار الاتهام لا يجب أن يقتصر على طنطاوي وعنان.

وهنا يقع العجب، فمن الواضح أن الجنرالات-وجوقتهم الإعلامية حفظها الله-ما يزالوا يتخيلوا أن مصر هبة الجيش، أو انه جيش قد انبثقت عنه دولة، وتصوروا أن مجرد ارتدائهم لزى عسكري يشرفون بتاريخه المجيد في أكتوبر 73 يبرر لهم الانقضاض، وليس مجرد الاعتراض، على أعلى سلطة في هذه البلاد، واهم شرعية في هذه البلاد حتى تاريخ كتابة هذه السطور. هذه الشرعية التي لا يعنينا في هذه المسألة كونها من المعسكر الإسلامي أو العلماني، ولكنها شرعية الانتخاب الحر المباشر التي تجُب ما عداها. نعم، خلافاتنا مع الرئيس وجماعته قد تصل إلى حد الخصومة، ولكنها أبدًا لن تبرر تمردًا عسكريًا على رئيس منتخب.

نسى الجنرالات أنهم مواطنون مصريون، ولسنا نحن المواطنين العسكريين، والمواطن المصري يخضع لأحكام القانون المصري والقضاء المصري بدرجاته وأنواعه، وان قرار تحويل العسكريين-حتى من في الخدمة منهم- إلى المحاكمة هو قرار لا يخضع، ولا يجب أبدا أن يخضع، للمؤسسة العسكرية. وقبل كل شيء: لا يعنينا تهدئة الرئيس للجيش وتأكيده على احترامه لطنطاوي وعنان. هناك شهداء سالت دمائهم على الإسفلت، ونحن وأهاليهم نتوقع إن يحال مرتكبي هذا القتل إلى محاكمة عادلة. يجب أن نحاسب نحن هؤلاء الجنرالات وهؤلاء الضباط الذين وضعوا سمعة الجيش المصري-جيشنا وجيش دولتنا- في الطين، يجب أن نحاكم كل من أهان وابتذل وشوه شرف الزى العسكري بينما هو يأمر بسحل الفتيات وتعريتهن، وصعق الشبان وتعذيبهم، في سلوك ندر حتى بين صفوف جيش الدفاع الإسرائيلي ذاته، للأسف.

لقد قامت هذه الثورة من اجل بناء وطن جديد، ودولة جديدة، تتحدد فيها السلطات واختصاصاتها مثلما يحدث في الدول الديمقراطية الحديثة، لا ما أوردته إحدى المقالات سابقة الذكر عن أن الجيش لم يتحدى قرار رئيس الجمهورية بإحالة المشير طنطاوي للاستيداع لأن "طنطاوي لم يأمره بذلك". يجب على من سرب مثل هذا "الخبر"، ومن كتبه، أن يشعر بالخجل من نفسه: الجيش مثله مثل البوليس يخضع تماما للسلطة التنفيذية ورئيسها الذي هو رئيس الجيش الأعلى، وان هذه الحكاية وإن صحت فهي تعبر عن نفسية وسلوك القبائل وليس الجيوش.

ولكن يبدو أن مؤسستنا العسكرية مصرة على احتكار 40% من اقتصادنا طبقًا لبعض التقديرات، ومصرة على سرية ميزانيتها، ومصرة على أن ذاتها مصونة ولا تمس، ومصرة على أنها عصب الأمة ومركز السلطات، ومصرة على أن تعامل نفسها باعتبارها فوق الدولة وفوق القانون. حسناً، يجب على الجنرالات أن يتحسسوا رؤوسهم، وأنا واثق أنهم لن يجدوا ريشة هنا أو هناك.

والحقيقة أن مثل هذا السلوك الرافض تمامًًا لتقبل حقائق الواقع يوجب علينا أن نُعدل فورا بعض من أوضاع الجيش في الدستور: يجب علينا إلغاء منصب القائد العام للقوات المسلحة واعتبار رئيس أركانها قائدها الاسمي وليس مجرد الفعلي، بينما يتولى أمور المؤسسة العسكرية السياسية مدني تختاره السلطة التنفيذية ويصادق على هذا البرلمان. أن فصل السياسة عن الجيش والجيش عن السياسة كان مفتاح نصرنا الوحيد في القرن العشرين، وتفرغ الجيش لمهمته العسكرية المقدسة في حماية ارض الوطن ومواطنيه بدلا من إرهاب الدولة ومؤسساتها هو مفتاح عبورنا للقرن الواحد والعشرين.

نعم، غضب الجيش قد يكون قاسيا، ولكنه لا يقارن أبدًا بغضب الشعب.

Wednesday, October 17, 2012

Muhammad Aladdin in Russian!

My story, "The Voice", in the Egypt edition of Moskovskij Komsomolets, translated by Sarali Gintsburg

وطن لا تحكمه الجثث

 

 

في الخامس والعشرين من يناير حدث شيء لم يتوقعه أحد تقريباً.

حوالي 30 الفًا من العلمانيين إجمالاً اجتمعوا في ميدان التحرير، في البداية، عبر موقع مجموعة “كلنا خالد سعيد” على “الفيسبوك” وكان الهدف هو الاعتراض على سياسات الشرطة والاعتراض على التعذيب، ولكن في الميدان- وعلى عكس الكذبة الشائعة- كان السقف هو “الشعب يريد إسقاط النظام”. لا يمكنني أن أنسى تلك اللحظة التي اعتلى فيها شخص ما لا اعرفه عامود إضاءة بجوار صينية الميدان-الذي أطلق عليها البعض تندرا اسم “الكعكة الحجرية”- ليرفع يده بمايكروفون ليردد “إذاعة الثورة”. نظرت وقتها لزميّلي العزيزين، الروائي نائل الطوخي والناقد فادي عوض، وابتسمنا.

وحينما أتى ظهر الثامن والعشرين من يناير، كانت هناك الملايين في الشوارع، هذه اللحظة التي تنظر فيها إلى الوراء، في شارع التحرير الطويل، لتجد أن مدى نظرك لا يصل لنهاية الحشود التي تتدفق إلى الشارع. لقد انتهى مبارك. نقطة.
هذا ما يمكنك الإحساس به ساعتها، خاصة مع التنويه الغامض في المساء إن فتحي سرور سوف يلقي كلمة إلى الأمة، وهذا لكل من قرأ الدستور المصري يعني إن الرئيس قد استقال فعلا، ثم حدث شيء ما، ليطل الوجه العتيق ذا الشفتين المتدليتين ليعلن كلمات تعني أن الرجل قد قرر المراهنة على مصير مظاهرات 1977. على العموم جرى ما جرى، وها نحن ذا الآن في عهد الرئيس محمد مرسي، ولكن، هل أمل احد من الشباب الذين كنت منهم تلك النتيجة؟

أظن أنه لا، ولكن، ومن ناحية أخرى، هل كان هؤلاء الشباب يراهنون على سيادة اللواء عمر سليمان؟ هل كانوا يتدلهون حبًا في سيادة الفريق سامي عنان؟ هل كانوا يريدون ان ينحسر السباق الرئاسي ما بين نظام قديم يحاول اغواءنا على طريقة ذئب ذات الرداء الاحمر، وما بين الاخوان المسلمين؟

أظن، مرة أخرى، انه لا.

بدأت بعض المجادلات على استحياء في البداية-ثم اكتسبت مزيد من الجرأة فيما بعد- أن محاولات الجيل السابق وجهود حركة كفاية (التي شرفت بتوقيع بيانها التأسيسي في “أدباء وفنانين من اجل التغيير”، كانت سببا مباشرا في هذه الثورة الهادرة التي تجاوزت احتقار الشعب لذاته وانبطاحه أمام بلطجة الدولة.

بالطبع يبدو هذا صحيحا من باب المبدأ، بالضبط حين تنسب لثورة 1919-حقا وفعلا-نصيب في جلاء الانجليز في العام 1956. ولكن، وبنظرة سريعة لما كان يجري في الشهور الأخيرة فيما قبل يناير من العام الحادي عشر بعد الألفين سنتذكر الآتي: تم تفجير جريدة الدستور من الداخل عن طريق البيع، ونشرت الأهرام في صورة لن أنساها مؤتمر صحفي لحركة كفاية يتكلم فيها منسقها العام عبد الحليم قنديل لعشرات من الكراسي الخشبية الشاغرة، وخطب مبارك في مجلس شعبه مؤكدًا انه باق في السلطة “حتى آخر نفس يتردد”، وسرت شائعات عن آن مبارك قد ضمن سكوت الجيش عن طريق زيادة الامتيازات الاقتصادية للمؤسسة وللقادة بشكل خاص، ثم حدث تفجير كنيسة القديسين الذي قال لي صديق عزيز-وهو يستقبلني من سفر قصير- أن هناك من يقول أن المسيحيين أنفسهم هم من ارتكبوها.

بدت الصورة مشوهة، نظام مبارك ومعارضته قد اهتراءا معًا. الناس محبطون، المثقفون محبطون، ورئيسة القسم الذي تخرجت فيه ترجوني ألا اقرأ خطابا مليئًا بالإحباط في إطار تكريمي على هامش تخرج دفعة جديدة من كليتي. لقد ساد شعور بأن كل المعادلات القديمة إلى زوال، وان الموات ينتشر في كل شيء من حولنا.

وعندما انفجرت الثورة، ساد شعور عند جمع الناس، جموع الشباب بالأخص، أن موات هذه المعادلات القديمة يعني نشوء معادلات جديدة، علاقات جديدة واطر جديدة للتفكير. لم يتطرق لخيال هذه الجموع الثائرة ما داخل بعض من “الثوريين”، لا سيما بعض الأشخاص من “المعارضة القديمة”، أن مساندة “عنصر إصلاحي” من النظام- تحديدا اللواء عمر سليمان- هو الحل لتجاوز خازوق حكم الإخوان، من اجل الاستمتاع بخازوق المخابرات. (شادي الغزالي حرب كان هو المنسق العام لحملة عمر سليمان رئيسا، والتي صودر إعلانها الشهير في جريدة المصري اليوم في نوفمبر 2010.

الأقرب للحقيقة أن هؤلاء الشباب، هذا الشعب الثائر، هو من منح قبلة الحياة لمعارضة تآكلت وتهدمت، هو من أرجعها لمقاعدها بعدما كاد نظام مبارك القديم وتطويره الجديد بقيادة مبارك الابن-الرئيس الموازي كما تندروا-أن يدخلهم التاريخ كمتفرجين طيبين، قاموا بما قدروا عليه “ولكن أنت تعلم الظروف”، ويمكننا أن نذكرهم بالتقدير والاحترام كمناضلين سابقين.

ولكن، وبعيدا عن أوهام المعارضة القديمة، ما الذي كانت تريده الثورة فعلا؟؟

في نظري، وادعي أنه في نظر بعض ممن يقرأون هذه الكلمات، فأن هدف الثورة المبدئي الذي يمكن جمع مختلف الأطياف حوله هو إيقاف الفساد وإنهاء حكم مبارك، ثم يأتي الهدف الأكبر والأسمى وهو إطلاق الديمقراطية الحقيقية في المجتمع المصري، ولا اقصد هنا بصفة “الحقيقية” أي أوهام مثالية، اقصد هنا أن ينشئ نظام ديمقراطي يحمي التداول ويؤكد حق وحرية الاقتراع ويضمن حرية الإعلام، نظام فعلي نتحمل خيره وشره لأن التجربة-هل أقول تجارب؟- أثبتت إن شره لا يقارن بشر الديكتاتورية والاستعباد وحكم “المستنيرين”.

لا تنازعني أيه أوهام حول أن هذه الثورة قام بها شعب يحس بأن هناك من يسرقه ويأكل قوته، قام بها شباب أحس عن حق أن هناك من يقصقص أحلامه ويبعث له برسالة أن يرضى بمكان المتدرب الشاب آو الموظف الواعد الصغير إلى أن يبلغ الخمسين-مثل الجيل الذي سبقه والذي سبقه- وهو مازال “برعما” يحلق في الفضاء.

هؤلاء الناس راهنوا على كل شيء جديد، فاجئوا الدنيا وفاجئوا أنفسهم عندما قفزوا إلى الفراغ، والذي لم يكن فراغًا بالضبط: كنا نشهد في الشهور القليلة التي أعقبت الثورة مجموعات واسعة من الانشقاقات في كل جمعية سياسية نعرفها، حتى الإخوان المسلمين. بدا وكأن هناك شباب يسعون لتغيير كل الإشكال الجامدة والأفكار الجامدة. شباب حوّل جماعة مثل الإخوان بدأت شمولية ورافضة للأحزاب إلى جماعة لها حزب يرحب بالأحزاب الجديدة في إطار ديمقراطي، شباب اقتنعوا بتجربة إردوغان في تركيا حيث يمكن للحاكم أن يكون إسلاميا في بلد علماني، إلى شباب من تيار فاجئ الكثيرين بشعبيته واقصد التيار السلفي، صاروا لا يؤمنون بالكلاشنكوف ولا تفجير محلات الفيديو بل بعملية ديمقراطية لهم الحق في خوض غمارها،إلى شباب آخر آمن تماما بأن علمانيته لا تُعنى بهدم الخطاب الديني بقدر ما هي نقد للخطاب الديني، علمانية تعني أن يعيش الإنسان كما يحب أن يعيش دونما سلطان أو مراجعة من احد، وهذا يعني دولة لا تتورط في عداء فكرة بعينها، بل تكفل حرية المؤمن والملحد والغنوصي والصوفي على حد سواء.

بدا الأمر عظيما وموحيا قبل أن تطاردنا عفاريت الماضي- في غطاء جوي بديع من إشاعات وأعمال تخريب وتضارب في الإعلام وإحساس بعدم الأمان- من مجلس عسكري وبعض العلمانيين على الطريقة الفرنسية والتركية القديمة حين أثاروا زوبعة القرضاوي وخطبته للتحرير وكأنها تكرار للخميني وخطبته في إيران، طاردنا هيكل وكلامه في الأهرام عن انه “لا يجد غضاضة” في تولي المشير طنطاوي الحكم. طاردنا بعض الإسلاميين على الطريقة القطبية وكلام عجيب عن وجوب زواج الاخوانية التي هي صالحة عوضا عن الليبرالية التي “تصيع في الشوارع والمقاهي”.

لم يقتصر الأمر على جيل دون جيل، بل قرأت لكاتب شاب مشهور وثوري دفاعا حميمًا عن بقاء مباحث أمن الدولة بحجة التخوف من تحولها لعصابات منظمة، وهو موقف ضمه هو وخيرت الشاطر وحسن مالك، ثم قرأت مقالا لكاتب شاب مشهور آخر-كان يبدو مترددا في البداية ثم انحاز للثورة- ينادي فيها بعودة وزارة الإعلام (والتي ألغاها احمد شفيق في وزارته الثانية بعد الثورة) لأن لابد للثورة من “إعلام يحميها”.

كل هذه المطاردات تجري أمام شعب ما يزال خيال “الظاهر بيبرس” موجود في طرقات ما داخل عقله، وينتظر فقط مثل هذه العفاريت لينقض ثانية على كل شيء و “احنا ما بنجيش غير بالكرباج يا باشا”. لقد وصل الأمر بروائي شاب زميل ان يقطع لي أن الجيش “لن يقبل أبدًا” برئيس غير عسكري في غمرة الثورة، راهنته على العكس وآنا الآن راض بالنتيجة.

 ظنت هذه العفاريت، وتلامذتها من الأجيال الأحدث، إن هذه هي “ثورتها” وهي المدافعة عنها،بينما غاب عنها  أن تجربة عبد الناصر-إن تأملناها جيدًا- كانت التطبيق الحقيقي لايدولوجية الإخوان التاريخية العمدة في مجتمع يوحده تنظيم واحد ولكنه هذه المرة كان “الاتحاد القومي”-وهل كان هذا الاختيار الأولي للاسم اعتباطيا؟!- ثم “الاتحاد الاشتراكي”، أي أن الفروق في العمق الايدولوجي لكل منهما ليست بالكبيرة فعلا. لم تدرك هذه الأشباح العلمانية أو الدينية أن سقوط تجربة ناصر هو سقوط لطريقة تفكير كبرى في العقلية المصرية والعالمية تفترض التوحد القسري تحت “قيادة مستنيرة” من أجل “مجتمع أفضل” أو مثلا التوحد القسري تحت “إمامة مُلهمة” من أجل “دولة الخلافة”. هذا السقوط اعقبه انسلاخ وصل لذروته في يوم الحادي عشر من فبراير، لحظة سقوط الزعيم التي فشلت في منعها كلمات هزلية لعمر سليمان عن “اعراف واخلاق المواطن المصري”. لقد تطورت الجماعة الثورية الفاعلة في الشعب عن تصور قديم مهترئ ومتهافت، لقد ودعت -ولو إلى حين- فكرة الظاهر بيبرس والمهدي المنتظر.

وهكذا قادتنا هذه العفاريت لنتيجة مؤلمة كانت الاستقطاب الشديد: كل شاب تحدى قوانين جماعته المتقادمة احس بالخديعة، وبأنه “لن يرضى عنك اليهود والنصارى إلا إن اتبعت ملتهم”. عادوا وانتكسوا مثلما انتكسنا جميعا، من شعب احس في لحظة أنه قادر على كل شيء إلى شعب يخاف من “ديكتاتورية الاسلام السياسي”.

تحطمت في شهور قليلة ارهاصات اتفاق تجاوز الرومانسيات إلى إطار جديد لمجتمع جديد، مجتمع يعلم أن هناك طريق صعب قد لا يطيقه البعض ولكن هناك شاطئ سنصل إليه في نهاية طريق من الالام، غادرتنا لحظات 25 يناير الاستثنائية إلى حقيقة مجتمع مشتت ما تزال تتناهبه عداوات الموتى.

لا ضير من اختلافات حادة، بل لا ضير من حرب ضروس تكون في صلب آلام الرحلة الجديدة كنتيجة طبيعية لا يمكن تفاديها في مجتمع يسعى لبناء نفسه من جديد، ولكن لابد لها وأن تقوم على رؤى حقيقية، لا مجرد اوهام تحولها عقول ضامرة إلى حقيقة نتعذب بها كبطل اغريقي. لا يجوز ان نختلف لأن “كل الاسلاميين يؤيدون زواج ابنة الاربعة عشر عامًًا” ولأن “كل العلمانيين يريدون اقصاء الاخر وهدم معتقداتهم”. لا يجوز أن نشتري الخدعة التي تقول أن الاسلام هو اسلام الوهابيين ولا غيره كما لا يجوز أن نقول أن العلمانية هي علمانية الجنرالات الاتراك ولا غيرها. لا يجوز لنا ابدًا-واقصد المفكرين والمثقفين منا- أن نصدق أن أي فكرة هي ثابتة ثبوت فكرة الإله في هذه الحياة.

لا يجوز ان نترك “معلمي الماضي” يعظوننا، هؤلاء الذين اوصلونا إلى كل هذا الخراء، هؤلاء الذين لو كانت منابع حكمتهم وقدرتهم عظيمة إلى هذا الحد لكانوا قد نفعوا انفسهم. هؤلاء من ظلوا في مكانهم الدافئ الآمن ينادون بالديموقراطية ويتباكون على الحرية ويتحاججون بالقمع والاضطهاد، هؤلاء من شهدوا تصاعد التطرف الديني في كل عام جديد ليكتفوا بتقليب اليدين والتحسر على قلة الحيلة. هي لم تكن غلطة جيل دون جيل، فبداية التاريخ المنظور للتواطؤ في النخبة المصرية هي الصمت على محاكمة الشيخ علي عبد الرازق وطرده من وظيفته، ثم الصمت على نظام شمولي مثل عبد الناصر، بل ووصل الأمر بطه حسين انه من صك مصطلح “الثورة” على ما حدث في 52 (وفعلها بشكل يمكن تبريره طبعا)، ولو دخلنا لباب الشائعات والاقاويل فستجد حكاية عن عبد الرزاق السنهوري-الفقيه الدستوري الاعظم في التاريخ المصري والذي نتفاخر بكونه واضع العديد من الدساتير العربية وخلافه-وهي انه من نصح عبد الناصر بالتمسك بالسلطة: “حد يبقى معاه سلطة ويسيبها؟!”.

هم ذاتهم، سواء بشخوصهم أو بامتداد افكارهم، هم من قدمتهم الجرائد والمجلات فيما بعد الثورة على انهم “الحكمة اللازمة لتوجيه اندفاع الشباب”. وهؤلاء عينهم، سواء علمانيين أو اسلاميين، هم من يؤمنون بأن الشعوب هي مجرد كومبارس في بلاط الحاكم. هم من يؤكدون لنا اليوم نهاية التاريخ: لقد وصل الاخوان ويجب على كل فأر النفاذ بجلده.

خطورة هؤلاء انهم يعيدون انتاج القهر ويعيدون انتاج الماضي، وبعد سنين قليلة فسنجد انفسنا في مواجهة دولة الاخوان على طريقة البنا الفاشستية، ويجوز حتي دولة بن لادن وسيد قطب، مادام كبار معلمينا ومنظرينا قد سلموا الكروت مبكرا، فقط لأنهم وفي قرارة انفسهم يؤمنون بنظرية معلم الحارة وفتوة الحي مثلهم مثل غريمهم الايدولوجي والذي اسماه “المرشد”. يكفي فقط قراءة بعض المواقف عن تغيير المادة الثانية، لقد ادعى بعض كبار علمانيينا ومثقفينا أن هذه اشاعة وافتراء. “لم يطالب احد بتعديل هذه المادة” هكذا قالوا وقالوا حتى وصلنا لدرجة أن البعض سيسجد لله شكرا إن بقيت المادة كما هي بلا تعديل. لقد انبطحوا في لحظة مفصلية في عمر هذا المجتمع، لم يجادل احدهم بأن مصر، بلد الازهر وحاضنة مقابر الاولياء، لم تكن كافرة قبل تعديلات السادات في 1977 مثلا. لم يكلف احدهم خاطره، او دعنا نقول لم يكن بالشجاعة الكافية في تلك اللحظة الفريدة التي جسمتها وكثفتها الثورة،أن يسائل مجتمعه عن ماهية الشريعة وماهية الحياة. لقد وصل الأمر إلى ان تقف في ليلة من ليالي القاهرة لتقرأ الشعار الآتي: “مصر لا دينية ولا علمانية.. مصر دولة مدنية”، لتجد نفسك تضرب كفًا بكف.”مدنية يعني ايه يعني؟!”.

وبالضبط كما جبنوا حتى الآن عن مسائلة الفاظ مثل “الثوابت” و”الرموز” فقد تفرغوا لتلقين المجتمع علاقات قديمة لمؤامرات قديمة فقد تخصص الفرع العلماني في مقولات مثل “المجلس العسكري الذي يتآمر مع الاخوان والامريكان” – “مؤامرات” وليس “تفاهمات”- بدلا من التحالف والتنسيق في انتخابات مجلس الشعب والرئاسة أو حتى الاتفاق الصلب على فكرة مجلس رئاسي مدني يدير البلاد عوضا عن عصبة العسكر، بينما اختص الفرع الاسلامي بمقولات مثل “مؤامرة امريكا التي زورت اوراق جنسية الحاجة أم حازم”. هي المؤامرة في ارض المؤامرات. وهكذا فطبيعي جدا ان نجد عدد من يصدق هذا”المؤامرات” على اختلاف اشكالها يتسع يوما بعد يوم، بالضبط مثلما بدأ البعض القليل يصدق مافيا شفيق وعمر سليمان في تزويرها التاريخ عيانا بيانا إلى درجة الادعاء بأن الاخوان هم من هاجموا الاقسام وحتى انهم من دبروا موقعة الجمل.

المؤسف ان من احترفوا خطاب الضحية المبني على كل هذه الكراكيب الفكرية يعودون إلينا بأن امريكا هي من اختارت مرسي: بعد اقل من سنتين من اذعان الولايات المتحدة لملايين المصريين الذين خرجوا للشوارع رفضا لحليفها الميت اكلينيكيا نجد من يضع الورق كله في يدها، نجد من يشك في قرارة نفسه أن الثورة هي “مؤامرة امريكية”، وكأنه وبدون امريكان فأن الامور كانت عظيمة-واشك في القوى العقلية لمن يقول ذلك، أو أنه بدون امريكان فسيبقى هذا الشعب اسير الخراء للأبد-وهذا رأي اشك تماما أن يقصده اصحاب نظرية المؤامرة.

الاسوأ هو انني كنت اناقش زميل كاتب، وهو شاب للأسف، ووجدته يسألني بجدية عن موقفي من الدستور القادم، ثم سألني بنبرة محقق محترف “ما شعورك حين تجد أن السلفيين سيقولون لا في الاستفتاء؟ اترضى أن تشاطرهم ذات الموقف؟”. قد يقصد هنا أن “لا” ستصب في مصلحة دستور أكثر دينية، ولكنني وجدت نفسي مندهشا: لقد كان ذات الشخص يطالب بمحاكمة العلمانيين ممن انحازوا للديموقراطية لأن الاخوان هم من سيستفيدون منها، والآن هو يلمح لـ”نعم” من اجل تجنب الاسوأ؟ راحت افكاري إلى “أنا أو الفوضى”، وانا اعرف جيدا انني قد اخترت المخاطرة، وسأختارها ثانية. فات على زميلي العزيز الذي انتقد عن حق ان ينصب اناس مثل جابر عصفور ومكرم محمد أحمد انفسهم كقادة للحرية والديموقراطية والعلمانية أن موقفه هذا لا يفرق عن سالفي الذكر شيئًا.

أما المفزع فهو انني عندما رأيت كليب على الفيس بوك تحت عنوان “حقيقة ما يجري”- او ما شابه- كان عبارة عن مونولوج للشاب الثوري رشدي اباظة من فيلم ما، معلقًا على حريق القاهرة في 1951-أي ما يزيد عن نصف قرن-بنفس العبارات والافكار التي يطرحها الاعلام والنخبة ثم ليتلقفها شخص-قد يكون شابا- ليضعها على اليوتيوب، ليتشاركها شباب اخر على الفيس بوك الآن. هذا هو التجمد، والتجمد يعني التخلف، للأسف.

اعلم يقينا أن الثورة لم تقم من اجل هؤلاء، ولم تكن من اجل هؤلاء.

 

 

 

من أجل هذا اظن ان الديموقراطية هي الحل، هي الوسيلة التي تجعل الناس يشعرون بأنهم من يختارون مصيرهم،هم ليسوا نسخ مصغرة من الله حيث يمكنهم تحديد كل خطوة في الطريق، ولكنهم من يختارون هذا الطريق، وعلى امتداد الامتار والكيلوميترات توجد محطات يمكنهم فيها التقييم والتعديل وحتى تغيير المسار. الديموقراطية هي من تجعل الاخوان والسلفيين والعلمانيين على اختلاف الوانهم يطورون تنظيماتهم وادائهم بل وافكارهم. لقد قامت الثورة من اجل مواطن يحيا حياة كريمة حرة ليختار ما يشاء: فليجعلها طالبان إن قدر، ولكن عليه أن يتحمل الجزاء، لا أن يتطوع احدهم ويقول له “لا لا! هي غلطة امريكا وليست غلطتك!”.

مرة أخرى الطريق لدولة ديموقراطية علمانية حديثة طويل وملئ بالآلام، ما تزال هناك اجهزة امنية لم يطلها تطهير، ما تزال هناك رتب عسكرية في كل مكان من اماكن الادارات المحلية المدنية تقريبا، ما تزال المؤسسة العسكرية مسيطرة على قسم لا يستهان به من الاقتصاد القومي، ولكن اوروبا دفعت نحو 50 مليونًا من البشر حتى تكون اوروبا التي نعرفها اليوم. حتى اوروبا، والانسان عامة، ما تزال في مشكلة ازلية: ما هو الصحيح من الخاطئ في حرية التعبير (إن جاز اساسا أن نقول صحيح وخاطئ وهذا مشكلة أخرى)؟ هل فرنسا على حق حين تعاقب من ينقد الهولوكوست بحكم القانون؟ أم  امريكا على حق حين تطلب من جوجل رفع فيلم اساء لمشاعر المسلمين؟ ما هي الحدود ما بين الأمن القومي والحريات؟ ماهي الهوية بالضبط وما مدى منطقيتها في حد ذاتها؟

هناك ثمن لابد وأن ندفعه في طريق يعد بالافضل إن امتلكنا الشجاعة لارتياده، ولكننا نعرف ان رفاق لنا في كل العالم ارتادوه، رفاق لنا في نفس الوطن ارتادوه، كسبوا معارك وخسروا اخرى. نعم ربما نعرف محاكم التفتيش وربما فقد المخلصين منا رؤوسهم في الطريق، ولكن كلما كنا اكثر شجاعة واكثر تنظيما كلما قللنا الضحايا والخسائر قدر ما استطعنا.

ربما أنا مأزوم بالأمل، ولكن صديقي الروائي المقيم في ألمانيا حامد عبد الصمد حكى لي حكاية سمعها وهو في القاهرة يحاول فهم ما حدث: شابان تربيا معا، اصدقاء منذ طفولتهما، احدهما من الاخوان والاخر من اليسار، وفي اثناء مشاحنات التحرير واشتباكاتها كان كل منهم يتصل بالاخر ويسأل سؤال واحد: أأنت عند المكان الفلاني؟ وعندما يجيب الصديق بلا، لا يجد السائل غضاضة في أن يلقي بالحجارة والزجاجات إلى المكان الذي لا يقف فيه صديقه. لا اقصد أن نلقي على بعضنا البعض الزجاجات والحجارة، اقصد انه رغم الحرب، ورغم الكراهية التي يبثها الشيوخ والجنرالات والدكاترة الافاضل، توجد صداقة وتوجد حياة.

لا يسعنا ان نختبئ وراء افكار قديمة واشباح قديمة: لدينا فرصة حقيقية أن يصير لنا وطن لا تحكمه الجثث.

Wednesday, March 07, 2012

مناقشة الصغير والحالي

مستنيكم الثلاثاء القادم في دار ميريت بوسط البلد- 6ب شارع قصرالنيل،بجوار سينما و مسرح قصر النيل، في تمام السابعة مساء،لحضور حفل توقيع للمجموعة القصصية "الصغير و الحالي "،مع قراءة قصة أو أكثر من المجموعة
الدعوة عامة
في إنتظار الجميع
:)

Saturday, January 28, 2012

:) :) :)

طيب.. الصغير والحالي نزلت يا جماعة وموجودة في دار ميريت (6 ب شارع فصر النيل)و في جناحها في معرض الكتاب في سراي 2.. يارب تعجبكم :)
Muhammad Aladdin's new book has been published and it is available now through merit publishing house (6 b qasr el nile street) or in their own partition in Cairo international book fair- pavilion 2

Monday, November 28, 2011

A Statement....

Dear Friends, dear lovely friends who’ve gathered on this day for Egypt, and for humanity,
Egypt is now having her fight against brutality, corruption, and dictatorship.  For sure, it is not a walk in the park, but your love, devotion, and compassion will make it a little easier, a little brighter.
I might say that Egyptians have crossed, once again as they did in 1919, a gloomy door in between fear and courage, darkness and light. They made their big debut step with tears and blood, and the marathon isn’t finished yet: there’s a long run we have to go, and we are so keen to do it, and we will not let anybody turn us again to point zero. In 1919 there was a great revolution against colonialism; in 2011 it’s a revolution against a regime which you can describe just as ugly as colonialism itself.  
As our grandfathers fought in 1919 for our independence, we too are fighting for this for the generations to come.  We are fighting for a place where humans and their rights are respected, a place under the sun where our daughters and sons will be proud to be a part of, proud to live in, and proud to build up.
What I wish to say is that you, being Americans, should know that the main ally for Mubarak, and for the SCAF, is your administration.  I call you to do whatever you see as valuable to make people around you acknowledge this truth: SCAF is even worse than Mubarak, and the US is backing it.
The SCAF doesn’t hesitate to kill innocent Muslims and Copts, has court marshaled more than 13,000 Egyptians, sexually harasses and assaults activists, and in the protests which are taking place now in Tahrir there have been 42 people killed and more than 3,000 people injured until this very moment. The SCAF does all of this to keep itself, by any means, above the law, above the state, above any elected parliament or president.
The US has a responsibility, a direct responsibility, for what SCAF is doing, being the donor of 1.2 BILLION dollars every 12 months, which makes a fifth of the whole SCAF budget (Yes! Their budget can reach something like 6 BILLION dollars every year), and if the US is genuine in saying they support the Egyptian people, and they are eager to help them reach democracy, they must show real action, not just offer pretty, sweet words.
I am not trying to incite the American administration to fight our war because we are already fighting it -in Tahrir, in Alexandria, in Suez, in Upper Egypt, and even on streets as small as Muhammad Mahmoud, for nearly over a year now.  And as a matter of fact, I never count on administrations or governments; I always count on you, the people. 
We just need you, all of you, to spread awareness of what’s happening in Egypt now.
 I, personally, thank you so much for being here for us.  That will always remind me that we are all humans, and we all share the same yearning for justice and love.

Muhammad Aladdin   
Egyptian Novelist   
..................................................
This statement is to be read today, 28th of November 2011 in a demonestration for supporting the Egyptian people in front of the Egyptian embassy, Washington DC. Organized by Occupy Wall Street.
- My thanks goes to my dear freid Meaghan Conner who edited this.

Friday, October 07, 2011

تحياتي لرفيق عيد الميلاد: بوتين!!

راس السنة الذاتية تاني. مش عارف ح اقول ايه.. بس دي كانت سنة عجيبة وصعبة وسيريالية، سواء ع المستوى الشخصي أو العام.. يعني شفت فيه اللي مش ممكن اتخيله أو اتوقعه.. شقلبنات على كل المستويات، وحاجات على كل الجبهات، وتقولش دي عصابات؟
كان نفسي في راس السنة الذاتية احكي لنفسي حدوتة، بس مش عارف، خلينا بدل كده نسمع حتة مزيكا، ونشوف مقابلة قديمة-30 سنة-للست هيلين ميرين!







Saturday, September 10, 2011

الوتد....


خيري شلبي
31 يناير 1938 - 9 سبتمبر 2011




Wednesday, September 07, 2011

Monday, May 23, 2011

عربات النار


كنت أحاول أن أشعل سيجارتي أخيرًا، في شارع لا تفاجئني فيه عربات النار: عربات لها هيكل عربة شعبية شهيرة، موقدة كجهنم، تعدو نحوي. أخذتُ نفسًا عميقًا وتساءلت في نفسي عن الوقت المتبقي لي، جزء من روحي تعفن، انقلب، يتمدد في هدوء واثق ناشرا عفنه حتى النهاية المحتومة. بالمنطق لابد وأن اترك عربات النار تداهمني، فمرة حاسمة ارحم من احتضار، ولكن شيء في داخلي كان يتمسك بالشوارع وبالسجائر.
دخل الشارع رجل يسحب امرأة، جلبة، وسكين يلمع.
وبعد أن ذبحها مضى بعيدًا، مضى دون حتى أن ينظر لي. نظرت أنا لها، كنت اعلم أنها ستنتصب، فانتصبت ونظرت لي. في المسافة ما بين ذبحها وتقييد اسمها في سجل الوفيات ستكون حرة لتجول كما تريد، اسم ما يزال حيا طليقا كما يعرف الناس، وإلى ان تستقر الجثة في باطن الأرض سيكون جزء منها ينظر لي حاليا في تدقيق.
وعندما أتت عربات النار، مسرعة، قفزت فيها بحماس، ولم تحاول أن تغير مسارها المتسارع نحوي، ولم أحاول أنا الطيران كعادتي أيضًا. 
...................
من المجموعة القصصية "الصغير والحالي". تصدر قريبا عن دار ميريت. 

Sunday, November 07, 2010

Italo...


"With cities, it is as with dreams: everything imaginable can be dreamed, but even the most unexpected dream is a rebus that conceals a desire or, its reverse, a fear. Cities, like dreams, are made of desires and fears, even if the thread of their discourse is secret, their rules are absurd, their perspectives deceitful, and everything conceals something else."

Italo Calvino
Invisible Cities.

Saturday, November 06, 2010

طار فوق عش الناشرين

في الدوحة احمد دلوقت، والغربة بحرها غويط حتى لو كنت ف خليج، والتجارب-مهما كنت عايش-مالهاش كبير..وده يمكن احلى ما فيها
من هناك احمد ح يكمل دوره كمحرر ادبي في دار بلومزبيري العربية، وهو الدور اللي مفتقدينه في صناعة النشر في مصر والوطن العربي إلا من اتنين تانيين: فادي عوض في الشروق واشرف يوسف في العين
عزائي الوحيد أن احمد مش هنا أنه ح يكون في كتب جديدة، وانه ح يكون-ككاتب فذ-عين مهمة جدا لكل الروائيين اللي ح يشتغلوا معاه، وده رغم خسارتي كصديق ح اكسبه كقارئ
المهم بعد كل ده، وقبل كل ده، أن رحلة الصداقة اللي بقالها 11 سنة عمالة تدخل ف مراحل جديدة. يعني زي التجاعيد اللي بتقولك ساعتك كام، وزي العيال اللي خلفهم فتحي، وزي الكومكس اللي بيكتبه وائل سعد، وزي المقالات اللي بيكتبها محمد عبد العزيز.. الحياة بتمشي وبتجري ومش محتاج غير تجعيدة في مرايا او أن العايدي يسافر الدوحة علشان تقول كل يوم شيء اقل، بس الأمل انه يكون اهم.. يمكن...
ربنا معاك يا يودا في المهمة الجديدة التقيلة

Sunday, October 31, 2010

انتخابات 2011.....









اخراج وكتابة: احمد العايدي

ابراهيم


فاز فيلم حاوي بتاع صديثقي العزيز ابراهيم البطوط بجايزة احسن فيلم في مهرجان ترايبكا الدوحة.. بجد خبر حلو.. خبر بيدي امل لأي .حد بيعمل حاجة بجد، خبر زي ابراهيم نفسه: مشجع وايجابي ومليان طاقة ايجابية. خبر زي ابراهيم كده، اللي بيقابل كل الناس بابتسامة تفاؤل وكلام ابيض من اللبن الحليب

مبروك يا ابراهيم.. مبروك لكل اللي بيحبوا السينما

Thursday, October 28, 2010

لمن تدق الأجراس؟؟


 No man is an island entire of itself; every man
is a piece of the continent, a part of the main;
if a clod be washed away by the sea, Europe
is the less, as well as if a promontory were, as
well as any manner of thy friends or of thine
own were; any man's death diminishes me,
because I am involved in mankind.
And therefore never send to know for whom
the bell tolls; it tolls for thee.

John Donne
.......................................

For Leri Price....


Artwork by Camilla Mathias

Wednesday, October 27, 2010

Tuesday, October 26, 2010

Thursday, October 21, 2010

فرحة المتوسطين


كان يتصل بي ليخبرني بفخر عن نجاحه في الانضمام إلى نادي وادي دجلة الذي يبدو أنه الملاذ الأخير لمن هم مثله لم يرثو اشتراكات نوادي أولاد الناس.
لاحق تحدث بسخرية عن شعوره بالنقص طوال عمره (هو في منتصف الثلاثينات) لأنه لم يكن أبدا عضوا في أحد هذه النوادي. الحقيقة أن معظم أبناء الطبقة شبه المتوسطة عرفوا هذا النقص بشكل أو بآخر خلال فترة الجامعة، من هم في نفس عمره، حضروا آخر جيل من أبناء الناس المستريحين أثناء ارتيادهم الجامعات الحكومية قبل انبلاج فجر الجامعات الخاصة.
كان يمكنك ببساطة ملاحظة الفوارق الجسدية الفادحة بين المتوسطين والمستريحين. هؤلاء الأولين ليست أمامهم خيارات كثيرة بخلاف كرة القدم، وإذا تم رفضك باختبارات مركز الشباب والنادي الأهلي فسيكتب عليك ممارستها للأبد في الشارع أو البعد عن الرياضة والتحول إلى دودة كتب، والاختيار الأخير ليس حقيقيا لأن معظمنا كان يعاني من فقر التنوع في الثقافة التي تلقاها في صغره، مع تشوهات تليفزيونية شهيرة.. بعضنا تخرج من الجامعة وهو يقرأ بصعوبة، وأعتقد أنني أجد رواجا في مهنة الكتابة لأن الملايين من هؤلاء المتوسطين يجدون الكتابة مهنة أسطورية، تافهة لكن لا أحد يمكنه ممارستها.
المستريحين، معظمهم كانت التربية الجيدة تبدو واضحة على أجسادهم، معظمهم انتظموا في 3 رياضات على الأقل خلال طفولتهم المبكرة، منها السباحة بالطبع، وهي المهارة التي أجد رجالا متوسطين ناضجين لا يجيدونها لأنهم قد فاتهم الوقت على تعلمها. لقد تحطمت أسطورة أن الله يبسط القوة الجسدية للفقراء، وهم يحتاجونها فعلا، أجيال هزيلة سترث أجيال هزيلة، سوء التغذية وانعدام الرياضة هي الخبر الأصدق.
يتوصل المتوسطون لحل وسط كالعادة، بجنيهات قليلة في صالات ألعاب تقرقع بها أصوات أوزان الحديد (البلدية) يمكنك إخفاء عدم تناسق الجسد وضعف عضلات الأكتاف. في أيامنا كانت كانت هناك صالة الحسيني، بالقرب من السوق، لكننا كنا نبدو داخلها كالآنسات الرقيقات مقارنة بنوعية مرتاديها، كانت بلاسقف وأرضيتها ترابية. أقرب صالة محترمة كانت في ميدان الحجاز بمصر الجديدة، على حدود العالم المعروف لنا أيامها (الكون وقتها كان ينتهي بالقرب من مدينة نصر وبعد وسط البلد مباشرة)، لكننا هناك نبدو مثلا الفلاحين بملابسنا التي تبقت من الطفولة لأنه من الصعب إقناع الوالد بشراء ترينج إضافي (لقد اشتريت لك واحدا منذ 3 سنوات)، لكن الأزمة انحلت من نفسها بافتتاح السلام جيم، كانت أرضيته مغطاء بالموكيت، وبه أجهزة (نعم والله)، ورواده معظمهم مثلنا ومنهم تلاميذ يريدون تجهيز أنفسهم مبكرا للكلية الحربية (لا تنسى أنه عليك تنفيذ 30 ضغطة أو 20 عقلة لأنك ستخسر درجات السباحة بالطبع)، وفي النهاية كان يمكن للواحد إرهاق نفسه طوال الشهر بأقل من 20 جنيها.
لم نكن أبدا فقراء، والدي كاني مشتركا في نادي يتبع الشركة يقع في منطقة شعبية، لكننا كن نجد أنفسنا مرتعبين من الأوباش الذين يهبطون من البيوت الفقيرة المحيطة به للترازل على التلامذة أمثالنا، جاء لوالدي عرض بأن يشترك في النادي الأهلي الجديد مقابل 500 جنيه في التسعينات، لكننا نحن المراهقين رفضنا لأنه لا يمكننا استقلال المواصلات لهناك. لماذا لم يشترك أبي مبكرا في أحد النوادي المستريحة عندما توفر له هذا؟ لم يفعل لنفس السبب الذي منعه من شراء أرض في مدينة نصر أثناء بزوغ فجرها، وهو نفس السبب الذي جعله يفضل شقة في العجمي عن الساحل الشمالي، وشقة في سراي القبة بسعر فيلا في الرحاب. نحن المتوسطون ننظر للعالم الخارجي برعب، ونسعى أن ننتقل لأعلى، لكن بمجرد وضع أطراف أصابعنا في البحر الجديد، نصاب برعدة برد، ونشعر بهشاشتنا وانتظارنا لراتب الشهر القادم. من الأفضل أن تبقى في ما تعرفه (بنفس هذه الآلية نجح مقاول أنفار مثل حسني مبارك في اعتلاء أول دولة في التاريخ لمدة 30 عاما، وهي مدة لم ينجح فراعنة كثيرون في الوصول لها على العرش).
لقد مارست الكاراتيه وكرة السلة، وتعلمت العوم لحسن الحظ، رفضت كرة القدم باستعلاء، كنت نحيلا من الأعلى بفخذين ومؤخرة تخص جوريلا، لكن هذا كان يمكن إخفاؤه في السلام جيم. لكن اي رياضة مارستها كانت على مسؤوليتي الشخصية، لم يحضر والدي لبطولات الكارتيه مثلما يحدث بالأفلام الأجنبية (أحمد الله أنه لم يفعل ليشاهد ابنه يتعرض للضرب بقسوة).
النوادي فرضت نوعا آخر من الحصار علينا نحن المتوسطون، فلكي تزيد فرص تعرفك على فتاة يقل وزنها عن 60 كيلوجراما، كان يجب عليك أن تتحرك في دوائر النوادي. كان هذا أمرا عاديا بالنسبة للمستريحين، معظمهم تربوا مع فتيات رشيقات في الفرق الرياضية وأصبح على الفتيات أن يصبحن جميلات فعلا حتى يلفتن أنظار الشبان المستريحين (تعريف المتوسطين للأنثى الجميلة كان عجيبا وقتها، بعضنا كان يصاحب فتيات أكثر رجولة منه)، كان عصرنا الذهبي عندما تكفل صديق من الجيل الثاني بأعضاء نادي الشمس في إدخالنا (بل أن والده تصرف في مشاركتي بأحد الفرق هناك)، واكتملت الدائرة السعيدة بتعرفنا على آخر يمتلك سيارة 128 ذات كاسيت وأكوالايزر (أتذكر أنه كان يخبر العامل في محل شرائط الكاسيت بأنه يريد شريط أكولايزر).
لم ينجح أحدنا وقت الجامعة في اختراق كبير وسط البنات المستريحين، أحدنا نجح في الزواج بواحدة من بنات النادي بعد قصة حب إغريقية، لكنها في الحقيقة كانت متوسطة مثله لكن والدها الذي يعمل منذ 20 سنة بالخليج كان يعوضها عن غيابه بهذا النوع من الرفاهية، وبعد عدة سنوات أتى هذا الصديق يخبرنا فخورا أن انضم للنادي على عضوية زوجته.. لقد انتهت رحلتك أخيرا أيها الرفيق.
والآن، معظمنا يعمل برواتب تصل إلى الصفر الرابع، نسكن بأفضل أماكن للمتوسطين، لدينا سيارات وجربنا قروض البنوك، لكننا لم نكسر الحلقة القديمة، لم نصبح بعد من المستريحين، ننظر إلى أولادنا بحسرة ونقرر أنه من الأفضل لهم أنو نوفر مضرب تنس وحمام سباحة، وتعود الحاجة للنوادي من جديد.
لم ينضم صديقي فعليا لوادي دجلة، كان عليه أن يخوض أولا مقابلة شخصية لتحديد إذا ما كان يستحق عبور الحد الفاصل ما بين العالمين. هذه المرة لم يسأله أحدهم عن أصله المتواضع (لا، والده ليس حارس عقار)، ولم يسألوه عن قدراته المالية (فعليا البنك هو الذي سيسأل)، كان سؤالا بسيطا عن مظهره: لماذا تربي لحيتك؟ هل المدام منتقبة؟
الحدود مرة أخرى تزدهر ألوانها، إذا كانت تريد العبور، فعليك أن تتبع قوانين الجانب الآخر، عليك أن تترك وراءك بعض من مظهرك ومعتقداتك القديمة.
سمعة رئيس النادي أنه متعصب تجاه أصحاب اللحى والنقاب، نعم هي عنصرية في مؤسسة عامة لا يجب أن تكون هكذا، لكن ما يجمل الصورة قليلا أنه يمنع أيضا دخول ضباط الجيش والشرطة بالسلاح أو الملابس الرسمية (وكأن هذا يستوجب يحتاج قرارا خاصا)، لكن عنصرية صاحب النادي تعد عرض بسيط ضمن قوانين القشرة الرقيقة التي تعتقد أنها تعبر عن رؤية البلد للدين والتدين، وهي قشرة ثقافية ضحلة ترى أنه لاستمرار مظاهر الدين التي تراها صحيحة، يجب سحب حرية الخيار من الساكنين تحتهم، ومنعهم من الرفاهية والتعليم وحتى التوظف.
لقد نجح صديقي بالاختبار عبر كونه هجوميا ضد موظف أولوياته هي جمع أكبر كم من أموال المشتركين الجدد، أجاب ببساطة ثم سأله عن سبب السؤال، بغبغ الموظف بأي كلام لأن السؤال بالنسبة له غير محوري رغم ديانته المسيحية (هو شخصيا ينتمي للمتوسطين). وبعد النجاح، استطاع صديقي أن يقنعني أنا الآخر بالاشتراك، بل أنه أحضر لي مبلغ كان قد اقترضه مني ليساعدني على دفع مقدم الاشتراك (هو في النهاية لا يرغب أن يكون وحده هناك).
والآن، وقد قاربت الفرحة الكبيرة على الاكتمال، عندما يصبح لي ولأولادي وأحفادي عضوية قانونية وسط المستريحين وأنفذ آخر خطواتي تجاه العالم الآخر، أضع نفسي أمام نفس تجربة السؤال الذي أصابه: هل تعدنا بعدم تربية لحيتك وعدم ارتداء المدام للنقاب؟
لا أعرف.. حقيقة لا أعرف.


محمد حسين

Friday, October 15, 2010

الصوت





مثل كل الأنبياء وبعض المجانين بدأ في سماع صوت واثق يحادثه. وبما أنه بلغ مرحلة آمنة من النبوة فقد تعود على هذا الصوت كروتين حياتي، وبما أنه بلغ مرحلة آمنة من الجنون فلم يصرح لأحد. في البداية انزعج بالطبع، وشك في أنه يستحق مكانًا هانئًا في احد المصحات، واستغرقته هذه الأفكار بعض الوقت، إلى أن همت لنجدته بعض الذكريات، واقنع نفسه بأننا كلنا نستحق ذات المكان، في هذه المصحة أو تلك.
تعود ألا يهمهم برد تحية الصباح للصوت، لكيلا تتفحصه عيني زوجته المرتابة، التي قالت له في يوم من الأيام، وبشكل عابر، أنه من الطبيعي جدًا أن يكلم المرء ذاته. هي ذات القاعدة التي اتبعها مع زملائه في العمل ومعارفه على القهوة.
جرب أن يأخذ راحته ويناقش الصوت فيما يطرحه من رؤى (وهي للحق جديرة بالتأمل) أثناء خلوته في الحمام، ولكنه انتبه لاحتمالية أن يسمع احد أبناءه حواره الطويل (لابد وأن يكون طويلا بعد هذا الصمت)مع الصوت. كان يبذل مجهودًا حقيقيًا ألا يرد، فقد كان هذا الصوت أليفا للغاية، صوت ذكوري هادئ كاد أن يظن أنه صوت أبيه لولا هدوءه الملفت.  حاول التركيز جيدًا مع جمل الصوت الطويلة عادة، فقد يقول شيئًا يؤكد القرابة اللصيقة، أي نوع من أنواع الذكريات أو الحكايات قد يجد نفسه فيه، أو أخته، التي كان يعرف كم أحبها الأب، أو عمه الذي أنهك نفسه وأنهك أبيه في خصومة بلا معنى، أو أمه، والتي كانت لها مع الراحل صولات وجولات، وبلغت علاقتها به-ككل زوجين-منطقة لا يُعرف فيها الحب من الخصومة. ولكن لا شيء. لم يأخذ من هذا التركيز الشديد إلا بعض من الشاي الساخن الذي صبه فوق حجر بنطاله بلا وعي بينما هو يقصد فمه، على الأقل منح زملاء المكتب ابتسامات عابثة عندما رأوا موضع البلل.
يتحدث الصوت عن أشياء تبدو بسيطة جدًًا، ولكنها وعلى بساطتها كانت له أكثر الأشياء أهمية للتفكير فيها. مسألة العجلات مثلا: تلك الدوائر الملتفة وراء بعضها بمركزها الذي يرسل قوائمه لحواف الدائرة، والتي يمكن لخيالها أن يلف في عكس حركة الدائرة أحيانًا، وهذه السيور المعدنية التي تلتف حول الدائرة المسننة التي تحركها الأرجل. كيف كان الإنسان متفوقا على الأسد الذي لا يعرف العجلات.
كان حوارًا عميقًا ولكنه-وككل الحوارات العميقة- لا يخلو من ثمن مستحق، فعندما رأى رئيسه أن تقريره الأخير تضمن اسم احد الزملاء مكتوبا هكذا "فلان عجلة" استبد به الغضب ووبخه بشدة على وقاحته العجيبة تجاه زميله هذا وفي مستند رسمي.  هكذا لم يتحدث الصوت لا عن حكايات قرابة ولا شفت نبراته عنها، ولكنه وجد نفسه يفكر في إن كان هذا بالفعل صوت أبيه، بعدما اكتسب شيء من الهدوء أخيرًا. قال لنفسه أن هذا الصوت أكثر ذكاء بكثير. خجل من نفسه فعاد ليفترض أن الرجل قد حاز الهدوء والذكاء بعدما مات. هكذا عاش في ألفة، دعمتها أنه استدان الكثير ليشتري عربة بالتقسيط فرح بها ابنه البكري في البداية لأسباب يمكن تفهمها، قبل أن يدرك أن الأب لم يترك وقتًا يمكن استغلاله إلا ومكث في عربته، دفع عن طيب خاطر ديون العربة المعنوية من توصيلات ومهام للأقرباء والأصدقاء، ثمن البنزين ومبلغ القسط، فقط ليختلي بالصوت قليلاً في كل يوم وألا يكتب عجلة في تقرير رسمي أو يصب الشاي الساخن فوق عضوه .
وعلى ذكر عضوه، فقد شكت الزوجة في اختفاءاته العديدة بالعربة، وأخذت تفتش جيوبه وسجل مكالماته ورسائله في تليفونه المحمول، علها تجد أنثى هنا أو هناك، ولما لم تجد بدأت في التفكير في احتمالات أخرى منها إدمان المزاج، وهو نفس الخاطر الذي داخل الضابط الذي رأى رجلا خمسينيا يلوح بيديه في حماسة، ويتكلم في سرعة، جالسا وراء مقود عربته الرابضة في شارع جانبي. وعندما فتشه جيدًا وأدرك بخبرته أن الرجل في غاية التيقظ (بشكل إكلينيكي فحسب)، أحس بالحيرة لأنه لم يجد ما يقوله فتركه يمضي.
سألته زوجته بعدما أعيتها الحيل سؤالا مباشرًا: ماذا يفعل بالضبط عندما يختفي هو وعربته في اغلب اليوم؟
الرجل، والذي كان، ككل موظف صغير في الرتبة كبير في السن، يجد عسرًا كبيرًا في مواجهة الأسئلة المباشرة أجاب أنه يجلس في العربة ليفكر قليلاً.
بالطبع كانت هذه نكتة طاردته ما بقى له من حياة، واستغلها ابنه في التشفي بالطبع، وحكتها امرأته لصاحباتها في متعة، وذكرها هو لنفسه بغيظ، ولكنه لم يترك هذا ليستغرقه، هو في حواره الطويل مع الصوت، الصوت الذي ملك عليه الحياة لأنه كان مثل العدسة التي تنقل له صورة صافية ومفهومة للحياة، فعلى سبيل مثال آخر: مات مجدي زميل العمل ميتة عجيبة، فعندما صدمته شاحنة ضخمة، وهو يعبر الطريق السريع قادما إلى العمل، قام سالمًا ببعض من الرضوض البسيطة، ولكنه، وهو يفكر في لطف الله ورحمته، بينما هو يجرع من كوب القصب الذي كافئ به نفسه، فقد استغرق في التفكير حتى صب بعض من القصب في رئته فاختنق ومات. اخبره الصوت بأن هذه الميتة تلخص مجدي ذاته؛ هو من البساطة حتى لا يحتاج شاحنة بحالها لقتله. هكذا وجد نفسه يفهم مجدي أكثر بعدما مات.
وهكذا عندما قرر الصوت الاختفاء في يوم، لم يكن من الصعب عليه ألا يضطرب.
بدأ الموضوع بتناقص في الزمن، لم يعد الصوت يحادثه في ساعات الصحو حتى المنام، بدأ يخفت صوته، وتبتعد جمله، حتى بتر عبارة ما يقولها له، وهو جالس يستمع إليه في شرفة المنزل، جالسا مع بعض الأقارب الذين تحتم عليه ضيافتهم. حاول أن يخفي انزعاجه عن ضيوفه ولكنه وجد نفسه يصرخ في امرأته عندما نسيت أن تضع له السكر في الشاي ساعتها. نظر إليه الضيوف في تفاجئ وهكذا فعلت الزوجة التي لم تفهم لما بدأ زوجها في الذبول بعدها، لم صار معتكفا في غرفته بعد رجوعه من العمل (وبعد فشل محاولاته، وحيدًا في العربة، لمناجاة الصوت). لم تعرف لِمَ بدأ الزوج بعدها في تجاهل العمل، والرقاد في الفراش نائمًا كحجر لا يستجيب لكلمة أو لدفعه يد (وهو الشيء الذي سر ابنه البكري الذي صار يستولي على العربة في كل مساء.)
وعندما وجدت علبة المنوم لم تعرف ما الذي دفع بزوجها لاستخدامها من الأساس. ببساطة لأنها لا تعرف أن زوجها قد صاحب صوتًا اختفى في الصحوة، وبدأ يزوره في المنام، وصار على الزوج أن يطارده في كل ليلة، ثم صار يمد الليل نفسه حتى يرى الحياة كما رأها معه. صار يقوم ذاهلا ليلوك شيئًا يبقيه حيًا، أو ليذهب ليفرغ أحشائه، قبل أن يعود لرحلته الممتدة.
غافله المنوم وأرسله لنوم أكبر، عندما استغنى عن الطعام والشراب وصار يفرغ أحشائه حيث ينام، وما هال الزوجة ليس البول والخراء والعرق الذين التصقوا بجسد زوجها، ولا جسده النحيل كأصبع، ولا ذقنه الطويلة أو قدميه المتشققتين، ما هالها هي ابتسامة سعيدة، سعيدة جدا، كانت ترفل فوق وجه الجسد الميت.

All The Single Ladies